اللبنانية نضال الأشقر: رجال الدين هم أكثر من يراقبون العمل الفني

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: الممثلة والمخرجة المسرحية اللبنانية نضال الأشقر قالت في حوارها لـ»القدس العربي» إن بعض الأنظمة العربية ترى أن الثقافةُ ترفاً، لكنها في الواقع متلازمةٌ مع الحياة القيمة، والمسرح كما وُصف كثيراً هو ايضاً فعلُ حرية، لذلك فإن دعمَ المسرح هو مساهمةٌ في دوام الحرية والتعبير، وهكذا يُمكنه أن يكون أداةً لنقد المسلمات، نحن بحاجةٍ إلى هذه المِساحةِ الإبداعية الحرة للانفتاحِ على الآخر، والتواصلِ في ما بيننا، وقبولِ الآخرِ واحترامِ الاختلاف، نحن نمارسَ مهنةَ الهاويةِ ﻠذا يجب ان نبقى دائماً على الشَّفير، ونقبل الوقوف على الممنوعات والمحظورات والمحرمات، ولابد أن نواصل التفتيش عن الحقيقة ولو كانت جارحة أحياناً.

■ ما هي آليات الرقابة على المسرح في لبنان؟
□ لا ديمقراطية في عالمنا ولا حرية وكل ما نقوم به احتيالات صغيرة وقد كثرت الجمعيات الأهلية ﻹلغاء الرقابة، ولكن هذا لن يحدث إلا بإقامة دولة مدنية ديمقراطية لا طائفية، الرقابة على الفن في لبنان أو سوريا أو العراق أو حتى مصر، على الوضع نفسه، علينا أن نسأل أنفسنا من يراقب الفنون، رجال الدين، سواء الدين الإسلامي أو الدين المسيحي، هم أكثر من يراقبون العمل الفني، إذا سمعوا أن هناك عملا فنيا يقترب من الموضوعات الدينية، يسارعون إلى الأمن العام لمنعها، في مسرح المدينة أحاول أن أتجاوز الرقابة على طريقتي، أقدم كل الموضوعات، أخذت على عاتقي تقديم كل ما أريده، وإذا لم تكن الدولة راضية عما أقدم فلتأت وتوقف عرض المسرحية، لكن الحكومات تخاف من هذا الشيء، عندما كنت صغيرة تعرضت للكثير من المضايقات وعارضت الرقابة أعمالا كثيرة لي، هناك أيضاً عروض مسرحية كثيرة منعت من العرض في لبنان لأسباب غير مباشرة، خاصة التي تغوص موضوعاتها إلى أعماق الدين أو الجنس أو السياسة، في عرضي المسرحي «طقوس الإشارات والتحولات» عن مسرحية الكاتب سعد الله ونوس، قدمت البطل في شخصية مفتي الجمهورية، وظهر على المسرح مفت ولكنه فاسد، هل يجوز أن يكون هناك مفت أو مطران أو خوري فاسد بالطبع، فهم بشر غير معصومين، عندما عرضتها في لبنان غضب بعض رجال الدين من هذا التجسيد، لكن المسرح هو عامل صدمة وعامل تحرك جذري وعامل لنفض الغبار عن كل الأفكار البائدة، هذه وظيفة المسرح الثائر الذي يهدف إلى تغيير المجتمعات.
أذكر واقعة حدثت عام 1968 وضمن محترف بيروت للمسرح اﻠذي كنت قد أسسته مع روجيه عساف اكتشفت أن الفدائيين الفلسطينيين جاؤوا إلى لبنان بأعداد كبيرة وتوجهوا إلى الجنوب لبدء عملية المقاومة قلت لروجيه عساف إننا يجب أن نقوم بعمل مسرحي عن الفدائيين والمقاومة، وبدأنا بالتنقيب عن العلاقة بين الفدائيين والجنوبيين وبين الطلاب وعملهم معاً لبدء المقاومة، العمل كان شيقاً، وعندما أصبح عملاً فنياً متكاملاً قدمناه أمام جمهور كان يرى الفدائيين بألبسة رؤوسهم الحمراء وأسلحتهم على المسرح لأول مرة، وفي اليوم الرابع لتقديم العرض طوّقت المخابرات والجيش والفرقة 16، المسرح وطردونا منه ونحن نغني أغاني المسرحية الوطنية المقاومة، كان هذا أكبر عمل رقابي في تاريخ لبنان وقد يكون في العالم العربي. كان من أكبر وأهم المداهمات، قالوا في الرقابة إننا لم نقدم النص لكننا قدمناه وأخذنا الموافقة غير أن القراءة المسرحية لا علاقة لها بالحركة على المنصة، فندموا على فعلتهم، إذ أن دخول الفدائيين إلى لبنان لم يكن معروفاً من قبل الناس فتشابكت الفنون والسياسة.
■ ما هي أبرز المواضيع التي يحتاج المشاهد العربي لرؤيتها في المسرح الجاد؟
□ هناك كثير من المشاكل في عالمنا العربي، أبرزها وضع المرأة في المجتمعات العربية، قدمت مسرحية تحت عنوان «تسطفل ميريل ستريب» عن كتاب للأديب اللبناني رشيد الضعيف، تناولت فيها مشكلة العذرية عند المرأة في العالم العربي، بأسلوب مبطن ولكنه صادم، وعرضت هذا العمل في باريس وصدم الجمهور الفرنسي، يجب أن نعالج كل المشكلات المستترة، خاصة التي تتعرض لها المرأة العربية، مثل العنف ضد المرأة، فهناك ملايين من النساء العرب معنفات لكن لا يستطيعون الإعلان عن ذلك، وهذا بالطبع ينعكس على نفسية الأطفال وينتج عنه خلل في التربية. هناك أيضاً ظاهرة الزواج المبكر، والمرأة التي تجبر على الزواج، معظم هذه الموضوعات قد تجيزها الرقابة، أما الموضوعات التي تمس الدولة والسياسة والنظم العربية فتواجه معظمها بالمنع، لا توجد ديمقراطية في أي بلد عربي، ربما أكثر دولة تحاول ترسيخ الديمقراطية هي تونس، بفضل بورقيبه، تونس بدأت بالفعل التحرك إلى الأمام بتغيير الدستور.
■ ما هي أبرز المشاكل التي يعاني منها المسرح في لبنان؟
□ في لبنان كل المسارح عليها رقابة، خاصة المسرح الجاد يخشون منه ومن أفكاره لكن نحن ماضون في عملنا، هناك شباب في لبنان صنعوا أعمالا جريئة جدا. نواجه أيضاً مشاكل كثيرة، خاصة في التمويل، الدولة لا تأبه بالمسرح، ووزارة الثقافة أصغر موازنة لها تخصصها للمسرح، رغم أن وزير الثقافة رجل مستنير لكنه يعاني أيضاً من ضعف ميزانية الوزارة، والحقيقة أنا لا أتمنى أن تسيطر الدولة على المسرح، لأنه في البلاد العربية التي تنتج عروضا مسرحية تطغى التدخلات السياسية على المواضيع، مثلما حدث في مصر وسوريا والعراق، حتى أصبح مسرح الدولة مسرحا موجها، المسرح يخسر بذلك أهم صفاته، وهي حرية التعبير في الوقت الذي نحاول فيه أن نحصل على حريتنا قدر المستطاع.
■ ماذا عن إنشاء كيان عربي لدعم الإنتاج المسرحي في الوطن العربي مثل الهيئة العربية للمسرح؟
□ أبداً، فهذا نموذج متخلف أكثر من غيره، الهيئة انتقت لجنة من شخصيات تعمل مع الدولة، لم يذهبوا إلى الشباب ولم يختاروا الفنانين الذين لديهم مسرح حر ومختلف، ذهبوا إلى النمط القديم للموظف الحكومي، هم لديهم تخوفات من أفكار الشباب ولا يريدون انتقاد رجال الدين، يريدون مسرحا معلبا مثلما كان في القرن التاسع عشر لا رائحة ولا لون له.
■ هل نجحت الحكومات في محاصرة المسرح؟
□ بالتأكيد لا توجد حرية تعبير ولا حصانة ولا تشجيع من الدولة، بالإضافة إلى أن انتشار الحروب في كل الدول العربية وترسيخ النظم الديكتاتورية والرجعية ساهم في قتل المسرح، كنت أتمنى ان تبدأ النهضة من مصر، ولكن للأسف كل ما ينتج هو محاولات ومجهود فردي، المسرحيون لا يشعرون بحرية التعبير عن ذاتهم، والدولة لا أعتقد أنها تشعر بأهمية ودور المسرح، وأذكر مقولة لتشرشل عندما أخبروه بتخفيض ميزانية المسرح، أجابهم نحن نقاتل لمن، الأمل في النهوض بالمسرح المصري سيكون بداية للنهوض بالمسرح العربي، مصر فيها 90 مليونا، وخرجت لتوها من واحدة من أكبر الثورات في العالم وأكثرها اختلافاً، الحكم على التجارب المسرحية الحالية سيأخذ وقتا لأن الحال في العالم العربي صعب، بعد كل ثورة يلزم وقت طويل لتنهض الشعوب ولتستجمع أفكارها الجديدة وتطلقها في الفنون. في لبنان بعد الحرب لم يستطع الشباب التعبير عن أنفسهم إلا بعد عشرين عاماً، بعد أن هضموا كل الأحداث والتغييرات التي حدثت حولهم، لينتجوا شيئا مهما يعبر عما حدث للبنان وتطلعاتهم للمستقبل.
■ هل شاهدت تجارب مسرحية مصرية حديثة؟
□ شاهدت عرض «بارانويا» للممثلة والمخرجة ريم حجاب وهو عرض مونودراما. ما لمسته أن المسرح في مصر فردي، انا أحكي عن المسرح الكبير الذي يعبر عن هموم الناس، المسرح عندما يدخل إلى الغرف ويعبر عن موضوعات فردية يضيع تأثيره الجماعي، لا يعبر وقتها عن هموم المجتمع السياسية والاجتماعية والنفسية.
■ ما هو حال التجارب المسرحية المستقلة في لبنان؟
□ أحاول في مسرحي مساعدة الشباب وتوفير مكان للعرض بنصف قيمة إيجار المسرح، ولكن يجب أن تسعى الفرقة لتدبير مصادر أخرى للتمويل لاستكمال العمل، أعتقد أن الشباب سيجدون طريقة للاستمرار، منهم من يلجأ إلى صناديق الدعم العربي أو الأوروبي، المهم أن ينتجوا مسرحا يعبرون فيه عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي تمر بها أوطانهم بطريقة معاصرة، المهم أن نحارب حالة الجمود التي أصبحنا عليها. في لبنان هناك فرق كثيرة حرة ولكن يفتشون عن همومهم ومشكلاتهم الشخصية، الدولة لا تعني بالمسرح وزارة الثقافة فقط تساعد المسارح التي بقيت مفتوحة، كان لدينا 20 مسرحا، الآن أصبح لدينا اثنان أو ثلاثة مسارح، وقاعتان داخل الجامعات، قاعات المسرح والسينما في لبنان اندثرت، مسرح المدينة قائم على المجهود الخاص، بعد الحرب اللبنانية تفرق المسرحيون.
■ هل نشاط مسرح المدينة يقتصر على تأجير قاعاته للفرق المسرحية؟
□ لا طبعاً هناك عروض مسرحية خاصة بالمسرح، العام الماضي قدمت مسرحية «الأم الشجاعة» عن الحرب اللبنانية، وهي تدور حول قصة أم شجاعة تعيش على الحرب ولا ترغب في أن تقف الحرب، لأن شغلها قائم عليها، كان العرض في توقيت الانفجارات نفسها التي وقعت في بيروت وقتل محمد شعث، لم نوقف العرض ولم يكن هناك جمهور كبير، بسبب الحالة الأمنية، لكن المسرحية كان واقعها عظيم على من شاهدها، والآن أعمل على برمجة مسرح المدينة لعروض من لبنان والعالم العربي، كما نستعد لإقامة الدورة اىثالثة من مهرجان الشباب في سبتمبر/أيلول المقبل، وهو مهرجان للعروض المسرحية الخاصة بطلبة الجامعة في لبنان والعالم العربي، من موسيقى وغناء ومسرح، العام الماضي تجولت العروض في شارع الحمراء، بمشاركة طلاب من لبنان وطلاب غزة، وقدمت الفرق الفلسطينية عرضا في الشارع.

رانيا يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية