لا ترقصوا على ناي حماس

حجم الخط
0

كثر الحديث مؤخرا في وسائل الإعلام الفلسطينية عن احتمالية الاتفاق بين حماس واسرائيل على وقف اطلاق النار لفترة طويلة، على أساس صيغة وقف اطلاق النار مقابل اعمار غزة. ويتم ذلك بوساطة الامم المتحدة من خلال مفاوضات غير مباشرة، وايضا دول اوروبية وقطر وتركيا، في الوقت الذي تحذر فيه فتح من اقامة «دويلة» في قطاع غزة. أما قادة حماس، سواء البراغماتيين أو المتطرفين فيها، فإنهم يؤيدون التهدئة التي يتم في اطارها اعمار القطاع.
الفوارق هي في سلم الأولويات في كل ما يتعلق باعمار القطاع ورفع الحصار ـ ما الأكثر أهمية وما الأقل أهمية ـ فتح المعابر البرية، بناء ميناء بحري ومطار وتبادل الأسرى والجثث، وتحديد فترة الاتفاق ايضا. لكن مؤيدي حماس يؤكدون على أن الاتفاق ليس سياسيا وأن المفاوضات غير المباشرة تهدف إلى التخفيف عن سكان القطاع. وقف اطلاق النار لن يشمل الضفة الغربية، وهذا الكلام يهدف ايضا إلى ارضاء الذراع العسكري لحماس الذي هو حساس تجاه الضائقة في غزة.
مؤيدو وقف اطلاق النار يستندون إلى تجربة النبي محمد مع بداية الإسلام كدليل على أنه في الاوقات الصعبة يمكن مراعاة الواقع «والدخول في مخاطرة»، حيث قام النبي بالتنازل عن ثلث منتوج التمر في المدينة من اجل تخفيف الحصار عليه (ملاحظة المحرر: لم يتم التنازل، وإنما كان هناك عرض اختياري من النبي على الأنصار ليعطوا الثلث لقريش لكن الأنصار رفضوه).
ويتحدثون ايضا عن صلح الحديبية (عام 628) بين النبي محمد وأعدائه في مكة كمثال على وقف القتال لعشر سنوات ـ لم تكن هذه سوى فترة استراحة إلى أن جاء الانتصار الساحق للقوات الإسلامية. صلاح الدين تبنى هذه الاسبقيات في القرن الثاني عشر في طريقه لاحتلال ارض اسرائيل كلها، حيث عقد اتفاق وقف اطلاق نار مع الصليبيين في الرملة.
موافقة حماس المبدئية على الهدنة في غزة بعد الدمار في عملية الجرف الصامد، غير مفاجئة، واضطرت حماس في أعقاب الهزات التي حدثت في العالم العربي إلى الاستناد فقط على سلطتها في غزة. هذه السيطرة في غزة مهددة بسبب المواجهات مع اسرائيل وحصارها للقطاع، وحصار مصر ايضا.
بناءً على الخيارات الموجودة أمامها ـ المواجهة المستمرة مع اسرائيل التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى احتلال القطاع واسقاط حكمها، استمرار الوضع الراهن الذي سيؤدي إلى نفس النتيجة ـ بناء على ذلك فان تحقيق الهدنة لفترة محدودة مع اسرائيل هو الخيار الأقل سوءً. واذا تعززت الهدنة فانها ستحقق لحماس الانجازات، ليس فقط في غزة بل في الضفة الغربية ايضا.
تدرك حماس أن حكومة نتنياهو تبحث عن أقل الاضرار، لأن حماس هي الجهة الوحيدة القادرة على فرض الاستقرار نسبيا، ولأن فصل القطاع عن الضفة الغربية سيُصعب على محمود عباس تحقيق اتفاق سياسي.
وتدرك حماس ايضا عدم رغبة اسرائيل في احتلال القطاع واسقاط حكمها لأن البديل هو فوضى ستستوجب دخول «داعش» مثلا، وهذا اسوأ بكثير، وتأمل حماس أن يكون هذا الاعتبار بمثابة رافعة لتحسين العلاقات مع مصر.
تبني حماس كثيرا على حدوث الاستقرار في غزة تحت سلطتها، وبالتالي رفع الحصار وبدء الاعمار. أما في الضفة الغربية فان وضع السلطة الفلسطينية يتضعضع شيئا فشيئا بسبب الجمود السياسي ومواصلة الاستيطان. حماس تفترض أن النتيجة ستكون سقوط السلطة الفلسطينية وانهيارها وتوقف التنسيق الامني مع اسرائيل. وهكذا يدرك الشعب الفلسطيني أن العنف هو الطريق الوحيد لتحقيق الانجازات، أما الاستعداد للمفاوضات والاتفاقات السياسية مع اسرائيل فلا فائدة منها، وادارة الصراع أفضل من حله.
تعتمد حماس على قناعاتها الإسلامية، وليس على استراتيجية التوازن لجون ناش في نظرية الالعاب. لكنها في سعيها إلى الهدنة في غزة تستند إلى ايجاد توازن مع اسرائيل في القطاع مع الحفاظ على جذوة الصراع مع اسرائيل في الضفة الغربية. وهكذا ستكون فائزة في الحالتين: نقل الصراع إلى الضفة الغربية والحفاظ على سلطتها في قطاع غزة.
من اجل منع هذا التطور السلبي فان على اسرائيل أن تبلور وتنشيء سياسة تتكون من مستويين: مستوى سياسي يكمن في السعي إلى التوصل إلى اتفاق مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية على اساس مبادرة السلام العربية. ومستوى يختص بالهدنة مع حماس في غزة.
هنا ستبرز تنازلات حماس وملاءمة نفسها مع الواقع، ولكن إذا حدث التقدم فقط على مستوى غزة، فان حماس لن تسيطر فقط على الضفة الغربية بل وستفرض على اسرائيل طابع الصراع.
هل فُرض على اسرائيل أن ترقص على ناي حماس؟.

هآرتس 1/7/2015

ماتي شتاينبرغ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية