ليس من السهل في زمن الانحطاط العربي أن تصبح قضية فلسطيني أسير محط اهتمام احتلال لا يأبه لا بحجر ولا بشجر. وليس من السهل على شعب اعتاد أن يرى صلف المحتل وجبروت قوته أن يحدد سلاحا فعالا قادرا على كسر إرادة المحتل السجان. ليس سهلا علينا جميعا في زمن احتراق عواصم الجيران بصنوف السلاح أن نرى وسيلة اشتباك لا تعرف النار ولا الدخان.
الجوع هو السلاح الأمضى في وجه المحتل، أو على الأقل هذا ما رآه الشيخ خضر عدنان، الذي نقل مفهوم الإضراب عن الطعام إلى محطة أخرى فانتصر في مناسبتين منفصلتين، بعد أن فرض عليه الأخير ما سمي بالاعتقال الإداري ليهزم الشيخ سجانيه من جديد بعد 53 يوما من الاعتقال والمفاوضات.
إسرائيل التي تخشى صورتها الخارجية والتي لا تأبه بالفلسطينيين مطلقا، تجد نفسها اليوم أمام سلاح فردي قد يتطور إلى أن يصبح سلاحا جماعيا بحثا عن حرية مسلوبة، بصورة لا تستطيع أي آلة إعلامية معادية أن تصور هذا السلاح على أنه قاتل أو ظالم أو يستهدف المدنيين، أو يدمر المدن أو يطال رياض الأطفال والمشافي، كما اشتكت إسرائيل وتشتكي من صواريخ غزة. الجوع سلاح لا يعرف النار ولا الدخان ولا البارود ولا الدماء ولا غيرها من مشاهد الحزن.
الجوع سلاح حضاري سلمي يؤلم صاحبه لبرهة ليريحه لسنوات مقبلة، ولربما لعمر كامل. فماذا لو أعلن الفلسطينيون جميعا عن إضراب شامل عن الطعام داخل السجون وخارجها، وفي الوطن والشتات مطالبين العالم بضرورة إنهاء الاحتلال الأطول في التاريخ المعاصر؟
لكن الفلسطينيين وقبل إقدامهم على خطوة كهذه مطالبون بالإجابة على ما يلي: إذا كانت معدة تهزم سجانا فهل للعلم والقلم أن يهزموا احتلالا؟ وماذا لوانتهى الانقسام الفلسطيني إلى غير رجعة، فهل سيكون للمعدة والقلم وقع أكبر؟ وماذا لو نضج البعض وبدأ يغرد خارج الصناديق التقليدية والمحاولات الإقصائية، هل سنكون أقوى وأقدر؟
إن حرب الفلسطينيين مع الاحتلال وتطبيقهم لرؤية خضر عدنان، وكل إخوتنا الأسرى المقاتلين بحثا عن الحرية والخلاص والانعتاق من المحتل، لا بد أنها تحتاج من طرفنا إلى بذل جهد أكبر وأشمل… جهد يتقاطع مع أحلام شعب مشرد ملّ ويلات الاحتلال وأكاذيبه المتتابعة.. جهد لا يقل عن لم شمل الفلسطينيين وتجاوز نكباتهم الداخلية وعثراتهم المحزنة.
مفتاح المعدة والقلم موجود جله في أيدي الفلسطينيين، وتجربة خضر عدنان وغيره الآلاف ممن استخدموا سلاح الإضراب في وجه المحتل لن تتحقق إلا بقرار داخلي حاسم يتبرئ من حرب الأشقاء وتسييدهم لرؤيتهم على رؤى الآخرين، فمعــــركة الفلســــطينيين تحتاج إلى التسلح بالوحدة الداخلية وملاحقة إسرائيل قضائيا، ومقاطعة احتلالها اقتصاديا وتعزيز كل أفكار المقاومة الشعبية التي تجمع العالم من حولها وتعجز معها إسرائيل عن تفنيد هذا النوع من المقاومة أو الحط منه.
وقفة المحتل العاجز لن تتحق لا بد من تغيير كبير في شروط اللعبة الداخلية، خاصة إذا ما اقتنعنا بأن تدمير طرف المركب لن يعني إلا دمارا هائلا لكل المركب وكل من هو على ذاك المركب.
٭ كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم