الرباط ـ «القدس العربي»: اعتبر الأديب المغربي عبد الجليل الوزاني التهامي فوزه مؤخرا بجائزة «كتارا» للرواية العربية عن فئة الرواية غير المنشورة «هدية من السماء»، وكشف في حوار مع «القدس العربي» أن روايته «امرأة في الظل» جاءت استجابة لحلم رآه في المنام، لافتا الانتباه إلى أنه بدأ حياته الأدبية شاعرا قبل أن ينتقل إلى القصة القصيرة ثم الرواية. كما أكد أن الكتابة الروائية صارت تستقطب العديد من الكتاب القادمين من حقول أدبية ونقدية ومعرفية مختلفة. وفي ما يلي نص الحوار:
■ ما القيمة المضافة التي يحققها حصولك على جائزة «كتارا» للرواية العربية من دولة قطر، عن فئة الرواية غير المنشورة؟
□ من البديهي أن للجوائز بصفة عامة قيمة مضافة بالنسبة للفائزين بها، بغض النظر عن مكانتهم الأدبية السابقة. وبالنسبة لي، فهذه الجائزة منحتني ـ وفي زمن قياسي ـ الشهرة الواسعة والإشعاع القوي عبر العالم العربي، وليس في المغرب فقط، لا من خلال الأجواء التي عشتها بالدوحة أيام التتويج، فتلك كانت مناسبة وفرصة التقيت فيها بالأسماء اللامعة في سماء الأدب العربي، ولا من خلال الأضواء التي سُلطت على الفائزين، ولا من خلال المواكبة الإعلامية الواسعة للحدث. وبالنظر إلى الترجمة المنتظرة للرواية إلى خمس لغات عالمية، فمن المؤكد أن هذا الفوز هدية من السماء بالنسبة لكل الذين فازوا بها.
■ وما موقع هذه الرواية الفائزة «امرأة في الظل» ضمن باقي أعمالك الأدبية؟
□ «امرأة في الظل ـ أو ما لا نعرفه عن زينب» هي الرواية السادسة في سلسلة أعمالي التي رأت النور، وخصوصية هذه الرواية كونها خرجت من رحم روايتي «احتراق في زمن الصقيع» الصادرة سنة 2007، لأنني أعدت «زينب» ـ إحدى الشخصيات المحورية في الرواية ـ إلى الحياة من خلال رسالة مطولة لجمال الأحمدي الشخصية الرئيسة في الرواية نفسها. ومن غرائب الصدف أن كتابة هذه الرواية جاءت استجابة لرؤيا أو حلم أو هاجس خطر لي وأنا بين النوم واليقظة ذات ليلة صيفية سنة 2013، إذ وقفت علي «زينب بنت الرايس امحمد الصافي» التي تعتبر الضحية الوحيدة لـ«جمال»، حسب تأويل بعض النقاد الذين نشروا دراسات وقراءات حول الرواية، نعم حضرت في ما بين النوم واليقظة، وسمعتها تهمس لي بصوت خافت: لِمَ لا تتركني أقول لك الحقيقة التي تغافلت عنها أو تجاهلتها؟ أنا لن أظل المرأة اللغز بالنسبة لك ولغيرك من القراء الذين يسألونك عن مصيري، أنا كائن قائم بذاته، حي يرزق بإمكاني أن أقول كلمتي للناس، ولك أنت أيضا، آن لك أن تعرف كيف ظهرت بمقصورة القطار وكيف هربت منها مختفية، أنا هنا فاستمع لقصتي، وانقلها للناس بقلمك… وقررت لحظتها أن أحمل القلم نيابة عنها، لأروي للناس قصتها بلسانها، ومن الزاوية التي تستطيع هي رؤيتها، فكانت هذه الرواية.
هذا ما يبرر الفرق الزمني بين كتابة الرواية الأولى «احتراق في زمن الصقيع» التي أنهيتها 2005 والرواية الثانية التي شرعت في كتابتها في سبتمبر/ أيلول 2013. وأيضا، هو ما يجعلها رواية ذات صيغتين، فهي من جهة بمثابة الجزء الثاني بالنسبة لمن قرأ الرواية الأولى، وهي رواية مستقلة بالنسبة لمن لم يقرأ تلك الرواية.
■ حسناً، هل يمكنك أن تقرّبنا من الأجواء الحكائية والدلالية والجمالية لروايتك هذه؟
□ في التقرير الموجز للرواية الذي أرسلته إلى مؤسسة «جائزة كتارا» كتب ما يلي: «امرأة في الظل أو ما لا نعرفه عن زينب» رواية تدور أحداثها ما بين قرية شاطئية متوسطية ومدينة تطوان في شمال المغرب في الفترة الممتدة ما بين 1984 إلى 2015، وهي عبارة عن رسالة مطولة من امرأة إلى رجل تحكي له فيها ما مر معها، منذ اختفائها في ظروف غامضة هربا من فضيحة علاقة حب نتج عنها حمل غير شرعي، في مجتمع محافظ مثقل بالتقاليد والأعراف الرافضة.
«امرأة في الظل» حكاية امرأة أحبّت بإخلاص، ورافقها هذا الحب كل حياتها، متحمّلة الكثير من المعاناة والتضحيات من أجل ابنها، من أجل كرامة وسمعة أهلها، وأيضا حفاظا على حبيبها من تداعيات علاقة حب قد تعصف بمستقبله الدراسي والمهني، في الوقت الذي لم يكن عارفا أنها مازالت حية ترزق. «امرأة في الظل» رصد لوضعية المرأة المنسية في مجتمع مهمش يعاني من الفقر والجهل والهشاشة ناتج عن خلل سياسي واقتصادي وسوء التدبير في الربع الأخير من القرن العشرين.
أما من حيث الأجواء الجمالية للرواية، فمن الصعب أن أتحدث عنها من موقعي كصاحب العمل، لكن يكمن القول إن «امرأة في الظل» محاولة لسبر أغوار امرأة متوسطة العمر من موقع سوسيوثقافي جد معقد، وأيضا بسيطة في تكوينها المعرفي. وكان التحدي الأكبر بالنسبة لي هو تشكيل شخصية روائية ساردة بأسلوب ولغة يحقق الثنائية المضادة: فمن جهة المحافظة على خصوصية الشخصية ذات السمات سابقة الذكر، ومن جهة أخرى الرفع بها لغة وأسلوبا إلى مستوى أدبي وفني يحافظ على قيمة جمالية للنص الروائي.
■ العديد من الأدباء يبدأون احتكاكهم الأولي بالكتابة من خلال تجريب نظم الشعر، إلى أي مدى تنطبق هذه الحالة عليك؟
□ بالفعل، كانت بدايتي مع الأدب بالشعر وأنا ما زلت تلميذا في الإعدادية، كتبتُ خلال تلك الفترة عدة نصوص جمعتها في كشكول أطلقت عليه ديوان «بعد السكون»، ونصوص تلك الفترة هي مزيج من الشعر التقليدي المضطرب الوزن والشعر الحر الذي لا يصل إلى عمق التجربة الشعرية الحقيقية. واستمررت في كتابة الشعر إلى حدود قسم البكلوريا (الثانوية العامة)، حيث بدأت كتابة القصة القصيرة التي لم أنشر أي مجموعة منها لحد الآن، لأنني فتنت بالرواية وتجرأت على كتابتها منذ كنت طالبا في الجامعة.
ومن المؤكد أن علاقتي بالشعر، وإن انفصمت مبكرا، فإنها أعطتني القدرة على صياغة الجمل الشعرية أثناء الكتابة السردية، وطبعت أعمالي بلمسة رومانسية لا تخطئها عين القارئ لأعمالي الروائية.
■ طيب، ما هي العوامل التي ساعدتك في شق مسيرك الأدبي؟
□ لم تكن مسيرة سهلة، بل رحلة شاقة توقفت كثيرا أمام معيقات ذاتية وموضوعية، ولولا الإصرار والطموح الكبير الذي غمرني منذ صغري لما واصلت، فيكفي أن أقول إن عملي الأول الصادر سنة 2003 كتبته قبل ذلك بـ13 سنة، ظلّ خلالها مخطوطا، فموضوع النشر بالمغرب معضلة كبرى. ربما الآن تغيرت الأمور بفعل الثورة الرقمية. لكن من قبل حتى الرقانة كانت مشكلة تقف أمام الكثير من المبدعين.
أما عن عوامل المساعدة، فأولها الموهبة والرغبة والإيمان بالقدرات الذاتية، ثم الوسط العائلي والاجتماعي والثقافي الذي نشأت فيه. وطبعا، لا يمكن إغفال تكويني الدراسي ذي الخصوصيات الأدبية.
■ ومن هم الأدباء المغاربة أو العرب أو غيرهم الذين تأثرت بهم، أو أعجبت بأعمالهم خلال بداية تجربتك مع الكتابة؟
□ من الصعب أن أحصر من تأثرت بهم أو أثّروا في ككاتب. وكغيري من الشغوفين بالأدب، فقد عشقت القراءة في وقت مبكر من طفولتي، ومن خلال مكتبة البيت تعرفت على كبار الكتاب والمفكرين والشعراء، فقرأت وبنهم شديد لمحمد عبد الحليم عبد الله والمنفلوطي والمازني والعقاد وعبد المجيد بن جلون وجرجي زيدان وغيرهم، وأتذكر أنني كنت أقبل على قراءة كل ما تنشره مجلة «العربي» الكويتية من قصص قصيرة لكتاب عرب كيوسف إدريس وأبو المعاطي أبو النجا… وأيضا للنصوص المترجمة إلى العربية. غير أن اكتشافي لنجيب محفوظ وأنا مازلت يافعا، فتح أمامي الطريق لأعانق عالم السرد الرفيع والجميل، الذي أخذني إليه ومازال إلى الآن.
طبعا، قرأت للكثيرين بعد ذلك، خاصة كبار الكتاب في العالم العربي كعبد الرحمن منيف وحنّا مينة وجمال الغيطاني وصنع الله إبراهيم، وكبار الكتاب الغربيين كفيكتور هيجو وإرنست همنغواي وعمالقة الأدب الروسي كليو تولستوي وفيودور دوستويفسكي، وأخذت عنهم ـ سواء عن وعي أو بدونه ـ الكثير في مجال الكتابة الروائية… إلا أن تأثري بنجيب محفوظ كان قويا وبينا.
■ أنت ابن مدينة وزان، واستقررت في تطوان، إلى أي حد تعدّ هذه المنطقة الموجودة بشمال المغرب ملهمتك إبداعياً؟
□ تردد اسم مدينة وزان وانتمائي إليها مؤخرا كثيرا، والحقيقة أنني أنتمي إلى عائلة وزانية تنتمي للمولى التهامي بوزان نزحت نحو شمال المغرب قبل ثلاثة قرون، واستقرت بمنطقة بواحمد التابعة الآن للتقطيع الإداري لإقليم شفشاون، وهي منطقة ساحلية تطل على الأبيض المتوسط، هناك ولدت وأمضيت سنوات من طفولتي المبكرة، غير أن الأسرة انتقلت إلى تطوان وأنا مازلت بالسلك الابتدائي حيث أتممت تعليمي بكل مراحله.
ولعل النشأة المزدوجة بين بيئتين مختلفتين ساعدتني في التقاط الإشارات ذات نبض مختلف، وكان ارتباطي بالتالي بالمنطقة المتوسطية عميقا وحاضرا في كل أعمالي.
أما انتمائي لمدينة وزان، فلازال قائما من خلال علاقة القرابة والانتماء للزاوية الوزانية التي لا يمكن لأحد أن ينازع فيها ارتباطي بها. وبالتالي فإني جد ممتن لكل الوزانيين الذين اعتبروا فوزي بالجائزة هو فوز لمدينة «وزان» ولأهلها.
■ هل أنت مع الرأي الذي يقول إن الرواية هي الجنس الأدبي الأقرب للتعبير عن تعقيدات الحياة الاجتماعية والتفاعلات النفسية للإنسان المعاصر؟
□ من المؤكد أننا نعيش زمن الرواية، نظرا للإقبال الهائل على كتابة الرواية بالمقارنة مع باقي الأجناس الأدبية الأخرى، فهذا الجنس الأدبي الذي ظهر عند الغرب وانتشر بباقي ربوع العالم صار مهيمنا وبشكل كبير. ولعل مرد ذلك لقدرتها على استيعاب واحتواء أنماط الحياة المعاصرها بتعقيداتها وتشعباتها وسرعة تطورها، وأيضا لعامل العولمة الشاملة وفي شتى المجالات، وبالتالي يجد الأديب المعاصر ذاته في هذا الجنس الفني الرحب والقادر على تحمل وترجمة المعاناة الإنسانية المعاصرة المعقدة، ويجد بالتالي المتلقي ذاته في ما يقرأه من أعمال وإن اختلفت جغرافيتها وأنساقها التاريخية.
ولعل هذا ما يفسر انتقال الكثير من الشعراء والمفكرين والمؤرخين والباحثين المغاربة إلى الرواية حيث وجدوا فيها ملاذا لهم، كما هو الحال بالنسبة للشعراء محمد الأشعري وحسن أوريد ومحسن أخريف ومحمد الميموني، والمؤرخ الباحث أحمد التوفيق، كل هؤلاء فضلوا الرواية كقالب تعبيري بعدما مارسوا الكتابة لزمن طويل في أجناس أخرى مختلفة. بل حتى سوق المبيعات بالنسبة لصنف الرواية تحقق رواجا نسبيا بالمقارنة مع باقي الأصناف الأخرى، فالرواية تحقق تواصلا بين الكتاب والقراء بشكل فعال وسلس. ولعل أيضا هذا هو الدافع الذي جعل كتابا كبارا بالمشرق العربي يفضلون الكتابة في جنس الرواية قادمين من حقول معرفية مختلفة، كما هو الأمر بالنسبة للكاتب المصري الكبير يوسف زيدان الذي اقتحم الكتابة في هذا الجنس وحقق نجاحا باهرا غطى على هويته العلمية والأكاديمية، وكذلك الأمر بالنسبة للفائز بجائزة «البوكر» الأخيرة التونسي شكري المبخوت، من دون إغفال القادمين من الكتابة النقدية كمحمد برادة وعبد الرحيم جيزان. وأتوقع أن يزداد عدد كتاب الرواية مستقبلا نظرا للإغراءات المادية والمعنوية التي تقدمها هذه الجوائز.
الطاهر الطويل