يبدو أن العالم مصاب ومتفاجيء من الاحداث الإرهابية الاخيرة المنسوبة لتنظيم الدولة ومؤيديه. إلا أن متابعة التنظيم واستراتيجيته في العمل لا يجب أن تثير الاستغراب. هذا التنظيم الذي تحركه الايديولوجيا الإسلامية السلفية الجهادية يستند إلى صيغة ومنطق عمل الشبكات، يعمل في جبهات كثيرة في نفس الوقت وبطرق عنيفة ودموية جدا. هذه الاعمال ترافقها استراتيجية إعلامية فعالة، تعتمد على الاستخدام الفعال للشبكات الاجتماعية وتحقق هدفا مزدوجا: الاول هو خلق الصدمة عند السكان والانظمة. والثاني هو تشجيع القوات المقاتلة وأن يكون رافعة لتجنيد متطوعين آخرين للتنظيم وتطبيق الالتزام الذي أخذوه على عاتقهم عند انضمامهم لتنظيم الدولة وقسم الولاء للدولة الإسلامية.
ما زال الغرب يستصعب فهم هذه الظاهرة والتعامل مع مغزاها، وفي بعض الحالات، مع التشديد على فرنسا، يتم انكار المغزى عن وعي. الميل هو إلى التعامل مع تنظيم الدولة وكأنه تهديد عسكري وتجاهل الفكرة السياسية التي يمثلها باسم الإسلام. تنظيم الدولة يعمل ضد النظام العالمي القائم، الذي يستند إلى الدولة القومية كأمر أساسي. والتنظيم يعمل على محو الحدود القائمة وتفكيك الدول القومية العربية، والملكية، التي يعتبرها نوعا من الكفر بما هو جوهري. اضافة إلى ذلك فان التنظيم يسعى إلى الحرب بين الثقافات. إن جهد اقامة الخلافة الإسلامية والعودة إلى أسس الإسلام، تجسد الكراهية الكبيرة للقيم الغربية والرغبة في طمسها. الحديث يدور هنا عن صدام حقيقي بين الحضارات.
يعمل تنظيم الدولة من خلال متطوعين ماهرين يحملون الايديولوجيا الاصولية، والذين يعودون إلى وطنهم بعد أن يكونوا اكتسبوا التجربة القتالية في ميدان المعركة للدولة الإسلامية، من اجل انشاء خلايا إرهابية تسعى لزرع الذعر في اوساط قطاعات واسعة من السكان في الغرب، وتشجيع المسلمين الاصوليين في تلك الدول. مفهوم الزمان والمكان مستمد من موقف ديني وتاريخي عميق، وحسب رأي التنظيم فان هذا صراع طويل ومتواصل من اجل تحقيق هدفين: هزيمة الغرب وفرض الإسلام، حتى وإن لم يتحقق ذلك في الجيل الحالي.
تونس لا يمكنها محاربة تنظيم الدولة وحدها، وفرنسا لا يمكنها محاربته بالاعتماد على الجهد الاستخباري في ظل تزايد عدد الخلايا الإرهابية والتطرف الإسلامي في اوساط الجاليات الإسلامية فيها. العراق ايضا لا يمكنه مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية الذي اقتطع من ارضه وسيادته. ويستطيع الاكراد على الاكثر الدفاع عن حكمهم الذاتي من خلال التضحية بالغالي والنفيس. الصراع ضد تنظيم الدولة يستوجب التعاون الاقليمي والدولي بقيادة القوات الاقليمية ومساعدة الغرب مع التصميم والقيادة.
يصعب عدم الربط بين الجهد الفرنسي حول التصويت في مجلس الامن التابع للامم المتحدة فيما يتعلق بالصراع الاسرائيلي الفلسطيني وبين مشاكل فرنسا الداخلية. يصعب التخلص من الانطباع بأن فرنسا تسعى من خلال هذا الجهد إلى القضاء على مواقف جاليات داخلية. إلا أن هذا لن يحقق نتيجة. ليست هذه هي الطريقة لمواجهة الخطر الداخلي. والعملية الاخيرة التي أدخلت إلى اوروبا رعب قطع الرؤوس هي الاخيرة في سلسلة عمليات واحداث إرهابية في فرنسا ودول اوروبية اخرى. كل مرة ينجح الخوف من جديد ويشل القيادة الاوروبية التي تعجز عن مواجهة منفذي العمليات في الداخل، ولا سيما في فرنسا.
احداث التراجيديا الاخيرة قد تؤدي إلى فرض حكمة الجموع على متخذي القرارات. ويمكن أنه قد بدأ الادراك بأن الحديث عن صراع حضارات، وبالمعنى الأوسع للكلمة، حضارة الغرب ضد اولئك الذين يريدون محوها. وسيدرك الغرب أنها حرب وجودية، وبالتالي سيختفي الاستغراب ويظهر التصميم بدلا منه، وحتى ذلك الحين سوف تُسفك كما يبدو دماء كثيرة.
إسرائيل اليوم 2/7/2015
كوبي ميخائيل