دائرة العنف وحكاية المربوط والسائب

كلما ركن أغلب الناس إلى تصورٍ خادعٍ تحدوه رغبةٌ عميقة بأن الوضع الأمني يستتب، يجدون ما يحطم تماماً ذلك الوهم – الرغبة، فيرميهم في اليأس والغضب ويصبح جلياً أمامهم أن مصر تنزلق كل يوم نحو المزيد من العنف الذي لم تعهده، وتتبدى لهم مصائر دول الجوار أقرب مما يتصورون ويحبون.
جريمة اغتيال النائب العام هو أبرز الأمثلة على ذلك بأسلوبها ونتيجتها ومكانة الفقيد لدى النظام ومنصبه في الدولة. في خضم كل هذا لا يستطيع أي شخصٍ كائناً من كان أن يشكو من نقصٍ في المهللين الصاخبين الصائحين الغاضبين المحرضين، سواء من المطالبين بالثأر أو الشامتين، بدءاً من الإعلام الذي ينفث في النار، بدون أي اعتبارٍ للمهنية، مخاطباً كل النوازع اللاعقلانية والدموية لاعباً على كل أوتار الخوف والغضب والإهانة، حتى وسائل التواصل الاجتماعي التي ضجت هي الأخرى بمعارك ضروس.
من الملاحظ أيضاً أن التركيز على جريمة اغتيال النائب لصفته المركزية في قلب النظام طغت على ما تزامن معها من جرائم إرهاب أخرى، كتفجير ستة أكتوبر واغتيالاتٍ للجنود في سيناء، ومن ثم تخطى ذلك إلى مواجهاتٍ مسلحةٍ دامية بين الجيش والتنظيمات الإرهابية في سيناء يسقط ضحيتها أعدادٌ مذهلة من المجندين والضباط. بيد أن المزعج أكثر من ذلك أن النظام ودوائره الرسمية، على الرغم من عدم تعويلي عليهما من الأساس، لم تتسم ردة فعلهما بأي قدرٍ أوفر من العقلانية. النغمة السائدة الآن هي: ليس الوقت وقت كلام…لا بد من الفعل والفعل الحاسم.
وعلى الرغم من كون المتحمسين لهذه الدعوة يرونها ماضيةً قاطعة تفيض قوةً وصلابة، فكل الشواهد خلال سني الحراك الثوري، خاصةً العام الأخير، بل والعقود التي سبقتها تفيد وتؤكد أن تلك طريق تؤدي إلى كارثةٍ مؤكدة. أجل الإرهاب الذي يتهدد حياة الناس بشع، ولكنه لهذا السبب تحديداً يتعين الكلام…لا بد أن يجلس الناس ويحاولوا تحليل الظواهر وفهمها والتوافق على وسيلة لدفع الضرر، فالعمل المندفع الأهوج الذي لا تحفزه رؤية ولا يهديه فهم يقود بالضرورة إلى الفشل وإلى التردي، طراً في تلك الدائرة المفرغة التي ما نني نغوص فيها كالرمال المتحركة.
لا شك في كون مصر تتعرض لهجمةٍ إرهابية شرسة في زمن الإرهاب المعولم العابر للحدود والقارات؛ بعض سمات ذلك الإرهاب المتسربل بعباءة الأيديولوجيا الدينية الاسترجاعية، معروف أو لنقل معلن، أما الأكثر فهو محل الظن والتخرص والاستدلال بالشواهد وتبادل الاتهامات…لا شك في أن ثمة تعاوناً وتنسيقاً يجري بين تلك التنظيمات وبين أجهزة مخابرات دول كثيرة معنية بالمنطقة ولها مصالحها فيها… أجل هي معركة حياة أو موت… لكن لهذا السبب تحديداً لا بد أيضاً من فهم واقعنا، أين نحن الآن وكيف وصلنا إليه.. لا بد أن يرتد كل تساؤلٍ أو تناولٍ أو مواجهةٍ إلى القاهرة لطرح الأسئلة… لتقرير الواقع على قبحه وتأكيد الحقائق على ألمها.
هناك انعدام في الكفاءة والجاهزية. لا أجد توصيفاً آخر لتكرار الهجمات بالأسلوب نفسه، مع تزايد عدد الشهداء الذي يعقبه المزيد من الوعود والتأكيدات الرسمية بأن الإرهابيين المنفذين لقوا حتفهم وأن المشكلة ستحل في القريب العاجل. أعتقد أنه بات من الطبيعي أن يشك أي مواطن في مدى صدق هذه التصريحات.
نحن نعيش زمن الحصاد وما نعيشه اليوم ليس وليد البارحة، وإنما نتاج قرابة أربعة عقودٍ من انحيازٍ اجتماعي نتج عنه إفقارٌ وتهميشٌ للسواد الأعظم من الناس، معتمداً على تضخم الآلة الأمنية للنظام وأدوات القمع. ليس ذلك فحسب وإنما يتعين علينا استحضار دعم النظام أيام السادات للإسلام السياسي، ومن ثم التعايش القلق طيلة سنوات مبارك مع بعض فصائله وإخلاء المجال من الناحية الفعلية للإخوان المسلمين للاضطلاع بعبء الكثير من الخدمات الاجتماعية عن طريق شبكتهم الموازية لدولةٍ عمدت إلى التنصل من مسؤولياتها تجاه المواطنين.
كذلك الوضع المزري للجيش هو نتيجة الإملاءات الأمريكية ومعاهدة السلام التي شلت حركته وحدت أعداده، وغنيٌ عن الذكر أن ذلك نتيجة سياسات النظام ورهاناته. هو زمن الحصاد.
المذهل حقيقةً هو ردة الفعل الرسمية وتلك الصادرة عن بعض الشخصيات العاملة في المجال العام. لفتةٌ لطيفة إنسانياً أن يحضر رئيس دولة جنازة رجل سقط على يد الإرهاب، لن أزايد عليه وأتساءل لماذا لا يقوم بالشيء نفسه مع المواطنين العاديين، لأنه واضح من مجريات الأحداث أنه في هذه الحالة سيقضي وقته بين سرادقات العزاء، لكنه حين يصرح في محاولةٍ لأن يبدو حاسماً غاضباً بأن «يد القضاء مغلولة بالقوانين» وقد أشارت مصادر إلى كون المستشار الزند الشهير يدرس قانوناً يمنح القاضي القول الفصل في استدعاء شهود النفي… وحين يخرج رئيس حزبٍ سابق وشخصية عامة متحدثاً عن تأجيل الانتخابات، نظراً للهجمة الإرهابية التي تتعرض لها البلاد: ما هوالمتوقع مني فهمه من كل ذلك؟
لقد اعتمد النظام لعقودٍ على البطش واليد الغليظة تمشياً مع المثل المصري الشهير «إضرب المربوط ليخاف السائب». نستطيع بثقة أن نقرر أنه يبدو جلياً الآن بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك السياسة لم تجدِ، ناهيك عن كون المقصود بها من الأساس البهائم، ولا أعتقد أن اتخاذ ذلك منطلقاً للتعامل مع المواطنين مفيد أو من الممكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية. إن محاربة الإرهاب لا تكون بحرمان المواطنين من حماية القانون أو تأجيل الانتخابات. لقد وصلنا إلى ما نحن فيه بسبب مصادرة المجال العام واحتكار السياسة، حتى ذبلت وأجدبت، والانحياز الاقتصادي ضد الناس لمصلحة أقلية طفيلية والخروج من هذا المأزق تكون بعكس ذلك، أي بالمزيد من الحريات الديمقراطية وتوسيع دائرة المشاركة بما يقوي المجتمع المدني.
لا أعلم كيف لا يلاحظ النظام أن الاستمرار في هذا النهج يدفع بالمزيد من المواطنين الضحال الثقافة ممن أهمل تعليمــــهم، وبالتالي جعلهم أكثر استعداداً لاعتناق الأفكار المتطرفة نحو المزيد من الشطط ومن ثم الإرهاب. إنه بذلك يغذي تلك الدائرة المفرغة الي ندور فيها من عنفٍ يؤدي إلى مزيدٍ من الاحتقان ومن ثم إرهاب يقابله عنفٌ متصاعد وهلم جراً.
والحاصل الآن أن الناس واقعة بين إرهابٍ متأسلمٍ، ذي مشروعٍ ظلامي مرعب وصلاتٍ مشبوهة، وإرهاب نظامٍ يصادر الحريات العامة ويعبر عن نيته حرمانهم القليل المتبقي منها ومن ضمانات قانونية، كأنه يعاقبهم على جرائم الإرهابيين.
لقد اعتمد النظام طيلة عقود على تجميد الصراعات وتأجيل أو ترحيل الأزمات، غير أنه اتضح الآن أنها لا تتبخر وإنما تزداد عنفاً وتتعمق ومن ثم تنفجر بضراوةٍ مضاعفة. الحل الوحيد أمام مصر يكمن في المصارحة والمكاشفة ونقد الذات وتغيير المسار؛ في بناء مجتمعٍ جديد نشيط وتوسيع دائرة المشاركة وفق عمليةٍ سياسية تكفل الحريات وتداول السلطة، والأهم أن يتم ذلك تحت غطاء عدالة اجتماعية حقيقية تعطي الناس حقوقهم وتجفف بحق منابع الإرهاب، سوى ذلك فالقادم أسوأ.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية