القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: تمثل رواية ‘دفاتر قديمة’ للروائي هشام علوان الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية إضافة نوعية للسردية الجديدة، الواعية بضرورة تجاوز مأزق الكتابة على حافة السيرة الشخصية، بالإضافة الى ذلك فهي تتجاوز فكرة الخفض من قيمة اللغة هربا مما يظن أنه التركيب المناهض لفكرة السرد ذاتها وطمعا في مغانم وهمية حول ضرورة تجديد القاموس الروائي. كذلك يبدو الموضوع الروائي الذي تجاوز، طبقا لهذا الفهم، كون السردية الروائية جزءا من ذات ضيقة يتمركز حولها العالم، فاتسعت قماشة الموضوع الروائي حتى باتت مزيجا من محنة السرد الذاتي ومحنة السرد في عموميته الإنسانية، وقد استطاعت شخوص الرواية بلورة هذا البعد بشكل مكثف عبر شخصيتي ‘شهاب’، و’أكثم’، كشخصيتين محوريتين ومركبتين أشد التركيب، يتزامن ذلك مع مفردات العالم المحيط، وسير الأحداث من نقاط صفرية متعددة تبدو أحيانا متباعدة، حتى تتلاقى في نهاية محكمة وذكية تعزز خصوصية العالم الروائي. وفي هذا الحوار يجيب الروائي هشام علوان على العديد من الأسئلة منها مفهومه للغة الروائية، ومفهومه للغة خارج الكتابة، ومزجه ببراعة بين عامية محلية مغرقة أحيانا في محليتها وبين لغة فصيحة لكنها ليست قاموسية وتصنع التوازن المطلوب حتى لايتحول العمل الروائي الى مدونة لغوية، كما يتحدث عن كيفية توصله لموضوعه الروائي وتطويعه على هذا النحو المدهش وكيف صنع تلك الشخوص البسيطة من هذه العوالم شديدة الثراء والتنوع، لاسيما وأن الرواية يمكن تصنيف موضوعها كواحدة من روايات القضايا الكبرى، وهو أيضا ما يتعرض له هشام علوان. وعلوان، حاصل على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنجليزية وآدابها، جامعة المنصورة، ويعمل مذيعاً ومقدم برامج بإذاعة صوت العرب، وهو عضو باتحاد كتاب مصر، ومقرر لجنة الإعلام في الاتحاد ومن أعمـاله المنشورة روايتان الأولى: واحة الخِصْيان عن سلسلة ‘أدب الجماهير’، وفازتْ بالمركز الثالث في جائزة: سعاد الصباح للإبداع الروائي للعام 1998م/ 1999م، حصلتُ عام 1998م، ولأول مرة على منحة التفرغ من وزارة الثقافة المصرية، و’تحوّلُ الكائنات’، وهي رواية في جزأين، عن مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ديسمبر عام 2002م، كما صدرت لعلوان رواية: خيال ظل المهرج، للأطفال، كتاب قطر الندى، هيئة قصور الثقافة 2003م، ومجموعة بعنوان ‘حكاية طائر النوم’، للأطفال عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة عام 2004م، ورواية ‘المواويّة’، عن كتاب المرسم للإبداع عام 2005م، بالإضافة لبعض الأعمال الأخرى. هذه الأسئلة وغيرها يتعرض لها صاحب ‘دفاتر قديمة’..وهنا الحوار: * حدثني عن مفهومك للغة الروائية، في روايتك، ومفهومك للغة خارج الكتابة، ولاتنس أنك، مزجت ببراعة بين عامية محلية مغرقة أحيانا في محليتها وبين لغة فصيحة لكنها ليست قاموسية وتصنع التوازن المطلوب حتى لايتحول العمل الروائي الى مدونة لغوية. * الكتابة قنصٌ فاتن، تحتاج لصبر وتربص، واللغة هي عصب الكتابة، وترجمان الفـكر، وقناة الاتصال بين المبدع وقارئه، ولا أميل إلى تشفير نصي بصياغات معجمية غامضة، تربك المتلقي، وتشعره بدونية أو إبهار لغوي، كل نص عندي يصنع لغته بطريقة ما، لا أعرف كيف تتم، لكنني أحاول دائماً، الوصول إلى جوهر الكتابة ببساطة وسلاسة، يحسبها الجاهل سهلة، لكنها مثل قطعة الحرير، تبدو ناعمةً، وطيّعةً في ملمسها، رغم أنها مكوّنة من آلاف الخيوط الدقيقة المعقدة، المتداخلة بانسيابية، وإحكام متقن، وفي (دفاتر قديمة) سارت اللغة بمستويين متوازيين، الأول يتمثل في لغة تقريرية خالـية من جمـاليات السـرد المألوفة، وجاءت من خلال تقارير الرائد أكثم سعفان لرؤسائه عن شهاب، والمستوى الثاني عن طريق الحكي على لسان شهاب عبر (دفاتره القديمة) بلغة أدبية جاذبة، والتي سجل فيها مذكراته الشخصية، وكان الانتقال بين مستويي السرد مرهقاً جداً بالنسبة لي. وخارج الكتابة، تشبه اللغة المرآة التي تعكس ثقافة المتحدث، وشخصيته، ودرجة وعيه بالأحداث، وتقديره للأمور، وإذا كانت الحكمة القديمة تقول: تكلم حتى أراك، لكنني علقت مرة، وقلت: أكتب حتى أراك، لأنني أميل أكثر للتعبير بالكتابة، ربما أفضل من الكلام. والعامية التي جاءت في روايتي (دفاتر قديمة)، عبّرت عن مسمياتٍ لأشياء تراثية، بشكل غير مفتعل، رأها أبناء جيلي في مجتمعنا الريفي والحضري أيضاً، لكن معظمها اندثر، أو انسحق تحت عجلة الزمان، كما استلهمت الفولكلور الشعبي المصري في مواويل أو أمثال، أو حكايات أسطورية عن (نوم النهر) أو (كبّاش البيوض). * كيف توصلت الى موضوعك الروائي وطوعته على هذا النحو المدهش وصنعت من تلك الشخوص البسيطة هذه العوالم شديدة الثراء والتنوع، لاسيما وأن الرواية يمكن تصنيف موضوعها كواحدة من روايات القضايا الكبرى. كيف تنظر لمسألة القضايا الكبرى والصغرى في الفن الروائي؟ * أكتب عن المهمشين، السائرين بجوار الحائط، الحالمين بقوت اليوم من كد الجبين، الشجعان الذين يواجهون الموت بابتسامة تحد، ويخرجون ألسنتهم لأحلك الظروف، ويطلقون النكات، ويضحكون حتى البكاء، هؤلاء هم أبطالي الذين أنحاز إليهم، ولا أتعمد طرح قضايا كبرى أو صغرى في أعمالي، ولا أهتم أبداً بتلك الشواغل، يبدأ الأمر بالفكرة التي تمرق كبرق خاطف في الخاطر، وعلى السـارد الأريب، اللـحاق بها، والإمساك بتلابيبها، ستراوغه كامرأة لعوب، تمنيه وتهجره، تسعده وتشقيه، لدرجة تقترب من حافة الجنون، ثم تستسلم له في النهاية طواعية ودون إكراه، عندئذ ستبين الأمور، حين يبث فيها من روحـه، فتخرج الشخصـيات مدهشة وطازجة، ينميها الكاتب، ويرسم ظلالها من خـلال خـبراته الحياتية، وثقافته الخاصة، وخياله الخصيب، تخرج إلى عالمها ونمطها الإنساني، والسارد الجيد تكون شخصياته حقيقية، من لحم ودم، تراها كل يـوم، وكأنها خرجت من رحم السـطور، لتمشي في الأسـواق والطرقات، وقد تشـاكسك وتشتبك معك ذات يوم. * ما الذي تمثله بالنسبة لروائي مثلك شخصية أمنية مثل الضابط أكثم على تركيبها وتناقضها، هل ترى أن هذا النموذج عكس بالفعل قسوة وعنف الجهاز الأمني كصورة من صور الحكم في العالم الثالث. * شخصية أكثم سعفان مثيرة للتعاطف، فهو القادم من عائلة برجوازية صغيرة، الأب مات في الكويت، وعاد مع والدته بعد حرب الخليج الثانية، ليلتحق بكلية الشرطة، حتى تكتمل الهيئة الاجتماعية، وتخطو درجة على السُلّم الاجتماعي، يحب كسائر أقرانه بنت الجيران، لكن فارس أحلامها يخطفها منه ويطيربها على استراليا، فتكون أول صدمة عاطفية له، ثم يوقعه حظه العاثر بـ (صافي) ابنة أحد أشرس اللواءات في الوزارة، يحبها بصدق، يتزوجها عن اقتناع تام، لتتحـول حياته إلى جحيم، تنقذه حيلته، وحسـن تصـرفه من براثنها الشـبقة، وسخافات أبيها المتكررة معه، ليصير مُطلّقاًَ، حتى يرى فرحة زوجة شهاب فيقع في حبها دون أن تعرفه، وتظهر منه تصرفات إنسانية نبيلة، تكشف لنا أن تحت الدرقة الصلبة المختفي خلفها، كائناً هشاً ونبيلاً أيضاً. لكنه لا يتوّرع عن استخدام برنامج الإدارة في التعذيب مع العناصر المتهمة الخطرة مثل شهاب، يضعه على (العروسة) أو يقصف أظافره بوحشية، كي ينال منه اعترافاً، إنها شخصية مهتزة لا تعرف أين تقف، تائهة وغير مستقرة على بر، أنتجتها ببراعة الأنظمة القمعية، وقدمتها في أبشع صورها، إمعاناً في التخويف، وإظهاراً للقدرة على البطش، لذلك سيشعر القارئ بحنق شديد عليها، وتعاطف غريب معها. * شخصية شهاب تتقاطع أحيانا مع شخصيات كان لها شيوع واسع في حياتنا الثقافية مثل شخصية نجيب سرور، والمفارقة أن يتفق عدوان حقيقيان هما الضابط أكثم والبطل شهاب على حب نجيب سرور، كيف تفسر هذا الربط ومادلالته النفسية والمعرفية. * الجمال إقناع دامغ، وقصائد نجيب سرور كانت فارقة الإبداع، جذبت اللواء مروان النمر رئيس أكثم في الإدارة السرية لمراقبة المجانين، لدرجة جعلت أكثم نفسه يلحظ تلك المحبة في عين مديره، حين يتخلى عن جهامته المعهودة، وهو يتحدث بوله عن عنصره المتهم نجيب سرور، نفس الوله انتقل للرائد أكثم، لكن بصورة أوضح مع شهاب، الذي يكتب الروايات في (دفاتر قديمة) عثر علـيها أكثم عند مداهمـة شقته للقبـض علـيه، فاحتفظ بـها لنفـسه، وقرأها بإعجاب شديد، هذه التناقضية في الشخصية موجودة لدى كثيرين من ضباط الجهاز الأمني، يحاولون إخفاءها بشتى الطـرق، فهم يخجـلون بدرجـة ما من إظـهارها، ويعدونها عيباً، لأنها تبرز ضعفاً إنسانياً شفيفاً بداخلهم، لا يريدون لأحد رؤيته، حتى لا تهتز صورتهم المروّعة، والتي كوّنها الناس عنهم، كفزّاعات يستخدمها النظام، لقمع الثوار والمعارضين، خاصة الضباط العاملين في الأجهزة الحساسة، يحرصون على طمس أي ملامح إنسانية بداخلهم تعبر عن العاطفة، الدهشة، الانبهار، التعاطف. … وغيرها من المشاعر السوية، إمعاناً في تصدير الفزع والرعب، لكل المتعاملين معهم. * هل ثمة تقاطعات حقيقية يمكن أن نعثر على ظلالها في الواقع بين شخصية شهاب وشخصية الكاتب نفسه الذي اكتشفنا أنه أيضا يعمل مذيعا بالإذاعة؟ * ربما. . خاصة روح التمرد والرفض، والقدرة على المواجهة. . فكل عمل نكتبه تطل بعض ملامحنا منه، دون قصد أو بتصرفٍ أحياناً، لكن شهاب أكثر شجاعة مني، وأقدر على الفعل بحرية، وإيجابية وحسم، ودفع الثمن كاملاً وباهظاً، في سبيل ما آمن به، أما أنا فاكتفيت بالكتابة عنه فقط، كنت مجرد راصد لأفعاله، وحسدته كثيراً، وحنقت عليه أكثر لأنه ورطني بالمقارنة معه، وحتماً ستكون لصالحه. * كيف رصدت مفهوم الجنون في الرواية وماهو معادله الموضوعي في الواقع، لاسيما وهو محاط في بعض الأحيان بجدية تشي بصدقه، وبهزل يشي أحيانا بأنه تمثيل لحالة سياسية. * تماماً كالمهرج الذي ينطق بالحكمة، لا ينتبه إليه الناس، ولا يفهمون إسقاطاته العميقة، وتفسيراته الفلسفية، في حين تكون بصـيرته حادة لدرجة الرؤية التامة للأمـور بجـلاءٍ ووضوح، ولأن نظرتنا قاصرة، ونحكم على الأشياء – غالباً – بظواهرها، فلا نكترث بالمجانين، أو نعيرهم أدنى اهتمام، حتى تأتي المفارقة في النهاية لتكشف لنا قدرتهم الهائلة على إحداث التغيير، وأنهم هم صُنّاع الثورة الحقيقيين. فالجنون في كتاباتي، معادل موضوعي لاكتمال الرؤية وتمامها، لدرجة لا يدركها أحد، فتصبح عصـية على الفـهم، ومغايرة لما اعتاده الناس، وهي تهمة التصـقت بالأنبيـاء والفلاسفة والمبدعين، وكل المصلحين، الذين سعوا للتغيير، فوصموا بالجنون. * كيف ترى تجربة جيلك الروائية، لاسيما وأن اندياحا كميا تشهده الساحة الروائية. * تجربة جيلنا مختلفة عن الأجيال السابقة كماً ونوعاً، فنحن أكثر جرأة على طرح الأفكار الجديدة والغريبـة، وأكثر مغامرة في الاقتـحام، وأكثر إلحـاحاً على النشـر المؤسسي والخاص، ولدينا القدرة على بناء جملة سردية جديدة، مكثفة ومقتضبة، تعبر عن حالتنا النفسية التي نعيشها في الوقت الراهن، إن جيلنا أكثر عدائية، وأكثر قدرة على التغيير الجذري، والدليل على ذلك هو التطور الهائل الحادث في شكل الرواية العربية ومضمونها الآن، هناك انفجار روائي يحدث في عالمنا العربي، والمطابع لم تعد قادرة على مواكبة هذا الزخم الإبداعي المتدفق. * كيف ترى مشاهد روايتك على خلفية واقع الثورة في حياتنا اليومية، هل بالفعل كانت تستحق أن يضحي من أجلها كل هؤلاء المجانين. * طبعاً. . ينزل المجانين لميدان التحرير، يرفعون أعلاماً، ويشيرون بأصابعهم بعلامة النصر، يهتف (عكاشة الزعيم)، فترد الجموع خلفه، وتغني (سونيا مجنونة ناصر) بأهـازيج ثورية مُحـفزّة، بينما (النبي جـمال)، يبشر بالصـباح والفـجر الذي لاح، ويظهرشهاب محمولاً على الأعناق يشير بيديه نحو الرائد أكثم، ويبتسم له، فيدمغه بإحساس غريب، أن المجانين انتصروا وحققوا ما أرادوا، رغم بطش السلطة الغاشم. إننا محظوظون لنعيش أحداث ثورة يناير المجيدة، لحظة بلحظة، حالة تشبه الميلاد، كأن مصر خرجت من شرنقة مظلمة، قبعت فيها لعقود طويلة، لترى النور، ربما أصابتنا بعض الغشاوات، لكننا تحررنا من الخـوف والظلم، وعـبرنا مرة أخـرى لضفاف الحـرية، وانتصرنا على كل هواجسنا. . إنها رؤية تفوق الخيال، ولا يدركها إلا أصحاب البصائر السديدة، والرؤى الصائبة، حالة تتجاوز منطق العقل، وحسابات الورقة والقلم، حالة تشبه الجنون، بغرابته وغموضه، ونزقه، وجموحه، وتستحق كل التضحيات. * ثمة أزمة حقيقية تشهدها ثقافتنا بعد الثورة، هل ترى ذلك، وهل تري أن الخطاب الثقافي بحاجة الى تغييرات جذرية حتى يتواءم مع فكرة التعدد والتنوع. * بعد الثورة حدث فوارن فكري وثقافي متوقع، فبعد عقود طويلة من الكبت، أتيح للجميع أن يناقش ويحاور، ويطرح الأسئلة، صار من حق كل مواطن أن يقول ما يشاء، وأن يُعمل عقله في طرحه للأمور.وقفزت إلى الساحة كل التيارات، وتنوعات لغات الخطاب من ديني بكل أطيافه، إلى ليبرالي وعلماني وقومي ويساري، وأصبح الخطاب الثقافي يحتاج إلى إعـادة صياغة، وترتيب أولويات تلائم كل المستجدات المجتمعية المتلاحقة بإيقاعٍ لاهث، خاصة في توجهه للبسطاء والعاديين، لأن معظم المثقفين افتقدوا آذان المواطنين، خاصة أن هناك خطاباً تعبوياً مضاداً من دعاة الإسلام السياسي، وحتى لا نكون كالنعامة تغمس رأسها في الرمال، فإن هـذا الخطـاب يجتذب قطاعاً عريضاً من الجمـاهير، لأنه يدغدغ مشاعرهم الدينية، ويلعب بحرفية على محبة وولع المصريين بالدين، كما أن الخطاب الثقافي بحاجـة إلى أدوات وأساليب أخرى في طرح القضايا المهمة، وسماع صوت الشارع جيداً، وعـدم الاكتفاء بأحاديث المقاهي أو النـدوات والتجمعات الثقافية المنغلقة على النخبة، والتنازل عن أي خطاب استعلائي أو فوقي أثناء التعامل مع المشكلات المجتمعية المختلفة، فذلك ينفر معظم الجماهير، ويشعرهم بدونية أمام القائم بالفعل الثقافي، كما يجب على النخبة أن تغير من ذهنيتها في الطرح، باستغلال كل الأدوات المتاحة، لتصل إلى كسب احترام المواطن البسيط والإيمان برسالتها التنويرية، دون حسابات أو مغانم وتربيطات مع التيارات الأخرى.