لا تقرأوا هذه السطور!

حجم الخط
4

لا تقرأوا هذه السطور إذا كنتم من محبّي العجلة، كلماتي تولد على مهل وتُقرأ بتأنٍّ.
كلّ كاتب يتمخّض ليكتب، «كلامه لا يخرج منه إلا جرحًا له»، على حدّ قول المطران جورج خضر. ومأساته أن يلاقيه قارئ مستعجل لا يقيم وزنًا لمعاناته في الكتابة. التمتّع يحتاج دومًا إلى تأنّ، إلى هدوء، إلى «مزمزة» كما نقول في لبنان. أبطأُ الناس هم السكارى الذين يجيدون التمتّع بكأس يرشفونه على مهل. القراءة سكرة أنيقة، حضاريّة، شرعيّة، ليس ضدّها ناموس. وعصرنا يحتاج إلى «سكارى» مثل هذا النوع.
ما يُكتب لا يعد مُلكَ الكاتب، بل مُلك القارئ. يقول الباحث الفرنسيّ بول ريكور: «النصّ يبقى يتيمًا إلى أن يجد له قارئًا يتبنّاه». أنت تكتب، لكنّك لا تسيطر على ما سيفهمه قارئك. أضحى نصّك ثائرًا خارج السيطرة. لو أدرك كتّاب هذا الزمن هذه الحقيقة، لتأنّوا أكثر في ما يكتبون. هم يصنعون رأيًا عامًّا. من كلماتهم تولد شعوب، تتغيّر مصائر وتُقلب عروش. ناسهم «ناس من ورق»، إذا استعرنا من الأخوين رحباني اسم إحدى مسرحيّاتهما، أو الأصحّ «ناس من كلمات». إذا كان الفنّان إيلي شويري يغنّي في المسرحيّة نفسها «قَصقِص ورق وساويهم ناس»، فعلى الكاتب أن يدمدم وهو يكتب: «قصقص كلمات وساويهم ناس». الكتّاب يُلهمون الثورات، لا غير، يتركون مهمّة قيادتها للعسكر ومن شابههم.
ما يجري اليوم في سوق النشر مأساويّ في بعض جوانبه. ليس كلّ ما يُنشر هذه الأيّام هو نور، لأنّ بعضًا ممّا يُكتب ليس نورًا. سهولة النشر وسرعة التواصل زادت الطين بلّة. يقع القارئ على الجيّد وعلى الأقلّ جودة، وأحيانًا على الرديء النوع. القارئ الأصيل غربال، يُسقط من رأسه ما لا يليق بعقله، بل ما لا يليق بإنسانيّته. إذا دخل نصًّا ليقرأه، وما كان هذا النصّ لائقًا بعقله، فمن المفروض أن يخرج فورًا نافضًا عن أقدامه حتّى الغبار الذي علق بها.
«إقرأ»، أوّل أمرٍ إلهيّ في قصّة الوحي عند المسلمين، على حدّ علمي. وعلى نحوٍ مشابه، أوّل كلمة يقرأها قارئ الإنجيل في لغته اليونانيّة الأصليّة هي كلمة «بيبلوس»، أي «كتاب». الدين أوّله قراءة، والمؤمن ابن كتاب. أن تقرأ، هو في الوقت نفسه أن تخوض غمار التفسير، أن تغامر وتفسّر. المسألة كلّها تكمن هنا: كيف أفسّر؟ القراءة ليست عملاً سلبيًّا، بل تتطلّب قارئًا نجيبًا، غير كسول، قارئًا يمحّص، يقبل ويرفض، يسأل ويشكّك. والكاتب الأصيل هو من يفترض أمامه أو من يُنتج قارئًا يقارعه، ينازله، لا قارئًا يهادنه، سهل المنال. كلّما كان الخصم عنيدًا، كانت المبارزة شيّقة. من هنا نحتاج اليوم، لا سيّما في عالمنا المشرقيّ، إلى كتّاب لا يكتبون ما يدغدغ آذان قرّائهم، وما يحبّ قرّاؤهم أن يسمعوه، بل ما يجب أن يسمعوه. ونحتاج بالأخصّ إلى قرّاء يصعب ترويضهم، غير مطواعين؛ إلى قرّاء يرفضون أكثر ممّا يقبلون، يشكّكون أكثر ممّا يصدّقون. القرّاء الحقيقيّون ليسوا جماهير تصفّق لأيّ خطاب، وهذه طامة طالما عانينا وما زلنا نعاني منها، ولا قطيعًا يُساق إلى حيث أريد له أن يُساق. على القارئ الحقّ أن يكون «زبونًا» صعب الإرضاء. أكثر الشعوب انقيادًا لعواطفهم هم عادةً المشرقيّون، هم أهل قلب، بالفطرة. غير أنّ قليلاً من العقلانيّة يفرّح قلبهم اليوم. الكاتب رسول إلى أهله، وجوهر رسالته اليوم أن يبعث في قارئيه فضيلة التمييز والتمحيص.
أعود إلى التأنّي.. التأنّي هذه الأيّام نوعٌ من المقاومة ضدّ الهرولة في كلّ شيء، والقراءة المتأنّية مقاومة فكريّة، قد يعترض قائل: هذا ترفٌ فكريّ، مخصّص لنخبة من الناس، وبعيد عن نبض الشارع، عن ناس الأزقّة. صحيح.. لكن ما يصلح في القراءة، يصلح قوله أيضًا في السماع، والكلّ يسمعون. الأمّيّ يسمع كما المثقّف، الفقير كما الثريّ. في مكان ما، أوصانا السيّد المسيح في الإنجيل: «تنبّهوا لما تسمعون». وفي أكثر من مكان، يختم خطبه بهذه العبارة البليغة: «من له أذنان سامعتان، فليسمع». آذاننا بحاجة أيضًا إلى تثقيف، إلى أن تكون «سامعة»، لا مجرّد أعضاء تتلقّى ما هبّ ودبّ. في كتاب الأنبياء، يقول النبيّ أشعيا: «آتاني السيّدُ الربّ لسانَ تلميذ… يُنبّه أُذنيّ صباحًا فصباحًا لأسمع كتلميذ». الكتابة الحقّة كما السماع المتنبّه، كلاهما تَلمذة للربّ. حسبنا أن نبقى تلاميذ، حتّى لو بلغنا في المعرفة شأنًا عظيمًا.

٭ كاهن كنيسة الروم الكاثوليك – بروكسيل

الأب ميلاد الجاويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية