«ضربت تونس في الصميم، لكن قلوب التونسيين ظلـــت وستظل تخفق محبة وسلاما وأخوّة ومودّة. وستظل قلوبنا تخفق معها».
بعد أن بعثّ بهذه الرسالة إليّ صديق ردّ عليّ بأنّ رسالتي «نزلت على حسابه على فيسبوك وتويتر»، تفطّنت إلى أنّ هذا هو سلاحنا. هذا هو سلاحنا الوحيد، الذي لا نملك غيره وبه نكافح. نكافح على المدى الطويل وإن بكلفة باهظة وباهظة جدا. لكن المدى الطويل سلاح. سلاح مرتفع الكلفة لكنه موجود، غير أنّه أيضا سلاح لم نستوعبه بما يكفي. ومعنى أننا لم نستوعبه بما يكفي أنّ حساباتنا وتحاليلنا وبراهيننا لا تعتمد المدى الطويل والقياس والمسافة، ولا تقبل المخاض أمرا محتوما، ولم تجعل من هذه المفاهيم معالم في طريق حقيقة وحكمة لا مناص منهما لمقاربة، وليس لتبرير، وضع يشكّل سابقة في تحميل البشرية محنا وشدائد من نوع جديد.
في فترة من فترات الخلافة العباسية، عرفنا «محنة» المعتزلة وضرورة القول بـ»التوحيد ونفي الصفات والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين»، لكن ما كان محنة في تلك الفترة لم يكن المحتوى الفكري لتأويل فقهي كان يتعاون مع الفلسفة، كما كانت الفلسفة تتعاون معه إلى حد بعيد، فالمحنة كانت تكمن آنذاك في إقصاء من لم يؤمن بهذا التأويل ولم يؤمّنه، وقال وكتب بالتالي في هذا السبيل. أما الآن، وقد تجرّدت المحنة من هذا المضمون الفقهي، فقد صارت المعركة من نوع جديد يضيف إلى محاربة الديكتاتورية وتجلياتها المتنوعة محاربة المضمون الأيديولوجي.
فالأيديولوجيا في كل مكان، تتربص بنا وتقف لنا بالمرصاد، وبذلك تنخر كيان التفكير لأنها تقتله أصلا. فلا تكتفي بتجفيف منابعه وروافده مثل الاستنباط والاستنتاج والتعديل والتجريح والتأويل والاستنساخ والإلغاء والجواز والتحريم، بل الأيديولوجيا تقتل كل أنواع التفكير، أكان لسانيا – بلاغيا، أم دينيا – فقهيا، أم حوكميا – سياسيا، أم علميا – اجتماعيا، الأيديولوجيا تكفّر التفكير، وتهاجم الأديان وتقتل الناس.
لن تكون سطور هذا المقال السطور المئة بعد المليون التي «تناشد الحكام» و»تهيب بمعشر المراجع في كل مكان أن يلمّوا شمل الأسر المفتتة»… وإن كانت جديرة بتوجيه هذا النداء مرة أخرى، فلا نمل الإصرار ولا التكرار ولا الإلحاح، إلاّ أنّ مراد هذه السطور أقل تواضعا. كفاها تذكيرا بأنّ حياة الناس إنما بيومياتهم، بالخروج للعمل، بالتبضّع في المحلات، بالجلوس في المقاهي ومشاهدة العروض، بحضور الحفلات، بالتشجيع في الملاعب، بمراقبة واجبات الأولاد، بإصلاح السيارة، بأخذ الحبيب حبيبته في نزهة… هذه هي الحياة، أما الأيديولوجيا فموت زؤام.
أما عن المحنة، فلنطّلع على تعريف لسان العرب بها: «المحنة الخبرة، وقد امتحنه. وامتحن القول أي نظر فيه ودبّره. وامتحنت الذهب والفضة إذا أذبتهما لتختبرهما حتى خلعت الذهب والفضة. والاسم المحنة. المحنة معنى الكلام الذي يمتحن به ليعرف بكلامه ضمير قلبه».
للمحنة ثلاثة أبعاد إذن: بعد التدبر والنظر والخبرة وهو ما سنسميه بمصطلحاتنا الحديثة البعد الفكري، أما البعد المتعلق «بإذابة الذهب والفضة لاختبارهما» فلا يبعد أن يقارب القدرة على المقاومة والصمود، أما البعد الثالث فهو الذي «يفضي بما في مكنونات الصدور»، كما يقول الجاحظ. ثلاثة أبعاد تجمع بين الروية والتدبر والصبر الجلود وسبر أغوار الضمير، ثلاث سمات تجعل من المحنة وسيلة لإعمال العقل وترويض النفس ومفاتحة القلوب.
لكن للحديث بقية، لأن لمعنى المحنة بقية: «المحنة بدعة»، يواصل معجم العرب والناطق بلسانهم. ويضيف: «المحنة، أن يأخذ السلطان الرجل فيمتحنه أو يقول: فعلت كذا وفعلت كذا، فلا يزال به حتى يقول ما لم يفعله أو ما لا يجوز قوله، يعني أن هذا القول بدعة».
أن يأخذ السلطان – والكلمة تعني هنا كلّ مدّع للسلطة – الرجل «فلا يزال الرجل بالسلطان فيقوّله ما لم يقل ويفعّله ما لم يفعل»…. فيفرض الجلاّد على الضحية «محنة» بكل ما أوتي من قوة فيمارس ما نسمّيه اليوم بصريح العبارة غسلا للدماغ. وهذا ما يكرس كفاح المجتمع وتحدّيه كلّ يوم: أن يترفّع عن المحنة التي تعيشها الضحية والمحنة التي يفرضها الجلاد… بكل ما أوتي من… محنة لم تحرّفها الأيديولوجيا عن مسارها. ومسارها يخوضها كل بشر على الأرض بما يجتاز فيه من «امتحان»، كما قال يوما مسؤول سياسي رفيع المستوى في برنامج تلفزيوني لا يقل عنه تميّزا.
٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيار لوي ريمون