خلال حــــرب غزة عام 2009، قضيت عدة أسابيع في مدينة رفح والعريش المصريتين، واكتشفت حينها أن مصريتهما مختلفة، اللهجة والعادات والأصول، البداوة والقبيلة والصحراء.. لا نيل في سيناء.
في إحدى المرات كنت في سيارة أحد الاصدقاء الذين تعرفت عليهم في رفح، وفي الطريق.. شاكسته إحدى السيارات وكادت أن تصطدم بنا، فصاح غاضبا وأشار للسيارة الاخرى «شوف هالبني آدم، ده أكيد واحد مصري».
فاستغربت وسألته «أكيد طبعا أنه مصري، لأنه إحنا في مصر، وانت مصري».. فاجابني مباشرة «لا احنا عرب مش مصريين، ودي سينا مش مصر». طبعا ظننته متطرفا بسيناويته بعض الشيء، ولكن بعد أيام من الاختلاط بالمجتمع السيناوي، لاحظت مدى التمايز في التكوين الذاتي والثقافي عن مصر النيل، عدا عن مظالم يعيشونها منذ عقود، تطبع علاقتهم بالقاهرة وتسيطر على شعورهم الجمعي، لذلك أدركت منذ ذلك الحين، أن سيناء هي بؤرة تمرد كامنة في مصر.
واليوم يتساءل كثيرون لماذا جاء «تنظيم الدولة الاسلامية» إلى سيناء؟ اعتقد ان السؤال الصحيح هو لماذا ذهبت سيناء لـ»تنظيم الدولة»؟! ومتى بدأنا بالتساؤل بالشكل الصحيح، سنتلقى اجابات اكثر واقعية بعيدا عن التسييس..
فما يحدث ان هناك مجتمعات محلية تتوفر فيها عوامل محددة، تجعلها اكثر استعداد لتقبل فكرة التمرد الجهادي العنيف، بل أن تفاعلات داخلية في هذه المجتمعات على مدى عقود تشبه حراكا متصاعدا يقارب «الديالكتيك»، تصل بها الى مآلات محددة، تتوافق مع ما تطرحه تنظيمات العنف والتمرد الجهادي، أي انها توصلت للجهادية من خلال التجربة والواقع، وليس من خلال التعاليم الدينية السلفية المجردة. ولذلك يكون السؤال الصحيح الثاني.. لماذا سيناء فقط دون مصر تحولت لمعقل للجهاديين؟ ولماذا الان تحديدا؟
تماما عندما نسأل لماذا قندهار كانت معقلا لطالبان تحديدا؟ ولماذا الانبار كانت معقلا لتنظيم الزرقاوي بعد احتلال العراق تحديدا؟ ولماذا حماة كانت معقلا للإخوان المسلمين في الثمانينيات ثم الجهاديين اليوم؟
عندما نطرح الزمان والمكان لسؤال الاختبار سنتوصل لنتيجة مفادها أن مجتـــمعات هذه المنــاطق وجدت ضالتها في الثورة العنيفة المسلحة من تلقاء تجربتها، وباتت تفرض الحلول الوسط كالاصلاح.
وهنا نجد انفسنا من جديد امام الصدام بين تيارين في الاسلاموية السنية السياسية في مصر، بين خيار الاخوان المسلمين في مصر الذي يصر على الاصلاح، وسلميا من داخل مؤسسات الدولة والمنظومة الاقليمية المرتبطة بالغرب، وبين خيار الجهاديين ومشروع مؤيدي «تنظيم الدولة» الذين يريدون نسف مؤسسات الدولة تماما ومعها المنظومة كاملة، ونسف حتى الفكرة الوطنية التي قامت عليها هذه الدول القطرية المتنافية مع مشروع الوحدة الاسلامية الساعين له.
وتبدو مصر نموذجا جديدا لهذا النزاع بين التيارين، اذ تبدو حتميات النزاع ومتطلبات الواقع تتماهى مرة اخرى مع طروحات الجهاديين، ومشروع تنظيم الدولة، وكأنها تسائل المصريين بعد كل مجزرة للسيسي.. هل ما زلتم تنتظرون شيئا من سلميتكم؟ هل ما زلتم تنتظرون شيئا من دولتكم الوطنية؟ هل ما زلتم تتأملون بالغرب والانظمة العربية لانقاذكم، ام انكم تنتظرون شيئا من الديمقراطية التي ضحكوا عليكم بها ليذهبوا باصواتكم لسلة المهملات، ويصبح الجنرال المستبد العسكري هو صديق الدول الديمقراطية الغربية وضيفها الدائم؟
وكأن ابن تيمية وسيد قطب يبتسمان في قبرهما ويقولان للسيسي.. مهما منعت كتبنا واحرقتها، فالناس ستتوصل لافكارنا مما تصنع يداك.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام