الناصرة ـ «القدس العربي»: ينطوي الصيام على منافع روحية واجتماعية وصحية هامة تجعل من شهر الصوم أمرا هاما جدا لكن ذلك يحتاج لمراعاة الأصول الدينية والعلمية حتى يكون مفيدا للروح والجسد، لا سيما أن الشهر الفضيل يتزامن هذه السنة مع عز الصيف. هذا ما يؤكد عليه خبراء في الصحة العامة في جولة محاضرات يقدمونها في البلدات العربية داخل أراضي 48 ضمن مساعي التوعية على إبقاء الصوم آمنا في رمضان. وتوضح مستشارة التغذية سهير سلمان منير إحدى الناشطات في مجال نشر الوعي للغذاء السليم أن المجتمع العربي بشكل عام بات يعتمد نظاما غذائيا جديدا بدلا من الأطعمة التقليدية مما يفسر انتشار مشاكل وأمراض كثيرة كالسكري. وتقول إنها تشارك منذ عشر سنوات في ورش ومحاضرات للصحة العامة وتشدد على خطر «العدوين البيض»(الملح والسكر) في ظل اتساع الإقبال على الأطعمة المصنعة والمشروبات الغازية خاصة لدى العرب بينما بات الأجانب يعودون للطعام الطبيعي.
درهم وقاية
وهذا ما يؤكد على خطورته أيضا بروفسور نعيم شحادة مدير قسم السمنة والسكري في مستشفى حيفا ومدير مشروع «نحمي» الذي يعرف داء السكري بأنه يعني ارتفاعا في مستوى السكر في الدم لأسباب وراثية أو بيئية كزيادة الوزن وقلة مزاولة النشاط البدني وعوامل أخرى. لافتا إلى أنه وزملاء له في «نحمي» يرون ذواتهم كسفراء للصحة العامة ويلفت لتفشي أمراض السكري وضغط الدم العالي والجلطات القلبية بشكل كبير لدى فلسطينيي الداخل نتيجة شروط غذائية وبيئية ووراثية مذكرا بمقولة «درهم وقاية خير من قنطار علاج».
ويشير لارتفاع ملحوظ في نسبة مرضى السكري في العالم بشكل عام وفي العالم العربي بشكل خاص، إذ تقدر بحوالي 10٪ من الناس البالغين. ويوضح أن صيام شهر رمضان يشكل تحديا كبيرا لمرضى السكري وللطاقم المعالج لأنه فريضة دينية لكن من شأنه تهديد صحة فئات معينة من مرضى السكري ويعرضهم لمخاطر عدة. منوها إلى أن بحثا واسعا في المجال شمل 13 دولة عربية وإسلامية قدرت نسبة مرضى السكري الذين يصومون رمضان بـ 43٪ من مرضى النوع الأول و 79٪ من مرضى النوع الثاني ( حوالي 60 مليون شخص).
مرضى السكري
وينقسم هؤلاء لأربع فئات الأولى، المعرضون للمضاعفات الخطيرة بصورة مؤكدة مثل: هبوط السكر الشديد أو المتكرر أو فقدان الحس بنقص السكر (خلال الأشهر الثلاثة التي تسبق رمضان) والغيبوبة السكرية) فرط التناضح) خلال الشهور الثلاثة التي تسبق رمضان. المصابون بأمراض حادة أخرى مرافقة للسكري، الذين يمارسون مضطرين أعمالا بدنية شاقة والذين يجرى لهم غسيل كلى والحوامل.
أما الفئة الثانية فهي من تعاني مضاعفات نتيجة الصيام والتي يغلب على ظن الأطباء وقوعها وتشمل: ارتفاع السكر والخضاب السكري، قصور كلوي، اعتلال القلب والشرايين الكبيرة وغيرها. وهؤلاء هم الذين يسكنون بمفردهم، كبار السن المصابون بأمراض أخرى، الذين يتلقون علاجات تؤثر على العقل. ويذكر شحادة أنه في هاتين الفئتين تم البت من قبل مجمع الفقه الإسلامي في 2010 بأنه «يتعين شرعاً على المريض ان يفطر ولا يجوز له الصيام، درءا للضرر عن نفسه».
أما الفئة الثالثة والرابعة فهم ذوو الاحتمالات المتوسطة والمنخفضة للتعرض للمضاعفات نتيجة الصيام ويشمل ذلك المصابين من الحالات المستقرة والمسيطر عليها بمجرد الحمية أو بتناول الأدوية التي لا تشمل الانسولين. وبوسع هؤلاء الصيام في رمضان شرط تلقي ارشاد.
سلة نصائح
وردا على سؤال «القدس العربي» حول الصيام الآمن يشير زميله د. رياض محاميد لضرورة الرجوع للطبيب المعالج ويقدم بعض النصائح الهامة لمساعدة المريض في الحفاظ على توازن نسبة السكر في الجسم.
ويدعو للفحص الذاتي لنسبة السكر بانتظام خلال الشهر في الليل والنهار ولدى الشعور بأعراض هبوط السكر والتي تشمل: تعرق، ازدياد خفقان القلب، رعشة في الأطراف تشويش وعدم وضوح الكلام.
ويرى ضرورة كسر الصيام عندما يكون السكر أقل من 60 أو 70 في الساعات الأولى للصيام بالذات إذا تناول المريض الانسولين أو محفز افراز الانسولين لدى وجبة السحور أو إذا كان السكر أكثر من 300.
العلاج الدوائي
ويؤكد أن بمقدور معظم مرضى السكري الصيام دون تعريض أنفسهم لمخاطر طالما تلقوا ارشادا، مشددا على أن الصيام الآمن يستوجب تغذية سليمة وقياسا متكررا لمستوى السكر وتغييرا في العلاج من قبل الطبيب المختص.
وتتفق معهما مستشارة التغذية سهير سلمان منير حول تدابير السلامة الخاصة بمرضى السكري لكنها ترى في التغذية السليمة عاملا مهما في التخفيف من معاناة الصائمين وحفظ سلامتهم. وتوصي بتوزيع استهلاك الطاقة على وجبتين أو ثلاث وجبات خلال فترة الإفطار مرجحة أن يساعد ذلك في تجنب الإصابة بفرط السكر في الدم بعد الوجبات.
التمر والماء
وتنبه لأهمية المحافظة على نظام غذائي بسيط لا يختلف كثيرا عن النظام الغذائي اليومي وتتابع «يحتاج الصائم عند الإفطار إلى مصدر سكري سريع، يدفع عنه الجوع، مثلما هو بحاجة إلى الماء. والإفطار على التمر والماء يحقق الهدفين وهما دفع الجوع والعطش. وتستطيع المعدة والأمعاء الخالية امتصاص المواد السكرية بسرعة كبيرة. كما يحتوي الرطب والتمر على كمية من الألياف مما يقي من الإمساك ويعطي الإنسان شعورا بالامتلاء فلا يكثر الصائم من تناول مختلف أنواع الطعام.
السحور
وردا على سؤال «القدس العربي» توصي سهير سلمان منير بضرورة الالتزام بوجبة السحور وتنصح بتناول وجبات إفطار صغيرة ومتعددة وتجنب الأطعمة المالحة والحلويات والأغذية الدسمة وشرب السوائل. كما توصي بشرب من 8 ـ 10 أكواب من الماء يوميا (بعد الإفطار)، وتجنب المشروبات التي ترفع مستويات السكر في الدم مثل العصير، والمشروبات الغازية، ومشروبات الطاقة، والمشروبات الساخنة المحلاة بالسكر إضافة لتجنب ممارسة الرياضة أثناء ساعات الصيام.
وديع عواودة