واشنطن ـ «القدس العربي»: تسود حالة من الخوف والتأهب جميع المنشآت العسكرية والمدنية الأمريكية هذه الأيام خشية هجمات إرهابية محتملة خلال عطلة عيد الاستقلال «الرابع من تموز/يوليو» والتي تتزامن مع شهر رمضان والذكرى السنوية لإعلان دولة الخلافة الإسلامية، مما قد يمنحنا الكثير من الإشارات والدلالات حول معاني مرور سنة كاملة على صعود تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا ونفوذه في جميع أنحاء العالم.
وأوضح الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان المشتركة، ان وزارة الدفاع الأمريكية وضعت في أعلى حالات التأهب في الرابع من تموز/يوليو بسبب تهديدات محتملة من تنظيم الدولة، حيث تزامنت عطلة نهاية الأسبوع مع دعوة صريحة من تنظيم الدولة لزيادة الهجمات خلال رمضان. كما أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي تحذيرات من هجمات محتملة في الولايات المتحدة ضد الموظفين المكلفين بانفاذ القانون والجيش خلال العطلة ولكن السلطات الأمنية الأمريكية قالت في الوقت نفسه ان التحذيرات لا علاقة بها بالهجمات الأخيرة في الخارج.
وقال مسؤولون أمنيون انهم دائما في حذر في فترة الأعياد ولكن تنظيم الدولة «هو سبب آخر يدعونا إلى اليقظة». وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية لأول مرة زيادة مستوى التحذير للقواعد في أمريكا الشمالية بسبب تهديدات من المتعاطفين مع تنظيم الدولة.
ووفقا للمعلومات التي حصلت عليها «القدس العربي» من داخل البنتاغون فقد تم رفع مستوى التأهب من حالة «الفا» التي تعني حالة مستقرة إلى «برافو» وهي تعني الوعي والحرص وتوفير قوات أمنية إضافية في بعض الظروف.
وإلى جانب النزيف النفسي الذي أصاب المؤسسة العسكرية والمدنية الأمريكية بعد عام من إعلان دولة الخلافة، برز تقرير آخر قبل أيام يكشف مدى النزيف المالي جراء هذه الحرب. حيث قال البنتاغون ان الولايات المتحدة انفقت ما يقارب من 3 مليارات دولار في المعركة ضد تنظيم الدولة، وأوضح المتحدث باسم وزارة الدفاع بيل اوربان، ان التكلفة الاجمالية للعمليات منذ شهر آب/اغسطس هي 2.91 مليار بارتفاع طفيف منذ آخر تحديث في أوائل حزيران/يونيو حينما كان متوسط التكلفة اليومية 9.1 مليون دولار .
وأوضحت وزارة الدفاع ان الجزء الأكبر من النفقات ذهب إلى الضربات الجوية بنسبة 54 في المئة وما يقل قليلا عن الربع على الأسلحة وتم انفاق الباقي على الناقلات العسكرية وغيرها من العمليات.
في الواقع، بعد سنة واحدة من إعلان دولة الخلافة، هنالك القليل مما يمكن الاحتفال به في هذه المناسبة في الولايات المتحدة، فعلى الرغم من الحملة الدولية الواسعة إلا ان التنظيم تمكن من توسيع نطاق الأراضي التي يسيطر عليها خارج الحدود على مدى الأشهر الـ 12 الماضية. ووفقا لماثيو هينمان من مركز الإرهاب والتمرد الدولي، فقد كان العام رائعا بالنسبة لتنظيم الدولة وكان بالفعل أفضل سيناريو له، ووفقا لشهود عيان في العراق فانه لم يتغير أي شيْ في البلاد خلال السنة الماضية، حيث فقد التنظيم بعض الأراضي ولكنهم كانوا يسيطرون في المقابل على أراضي أخرى لان الجنود العراقيين ليست لديهم رغبة في القتال.
قفز التنظيم إلى الساحة الدولية عندما رفرفت الأعلام السوداء في الموصل في أوائل حزيران/يونيو 2014 حيث كانت الجماعات الإسلامية تقاتل في سوريا ولكن سقوط ثاني أكبر مدينة عراقية أشار بما لا يدعو للشك إلى الخطط الحقيقية للتنظيم. وبعد أيام من هذا الحدث، اجتاح مقاتلو تنظيم الدولة مدينة تكريت مسقط رأس الرئيس العراقي السابق صدام حسين وانتشروا مثل البرق عبر شمال العراق. وفي 29 حزيران/يونيو ظهرت أكبر نقطة تحول في الصراع حين أعلن قائد التنظيم ابو بكر البغدادي دولة الخلافة الإسلامية وتوحيد الأراضي التي تمت السيطرة عليها.
وبرهن الجيش العراقي بانه غير فعال في مواجهة تنظيم الدولة حيث أسقط العديد من الجنود بكل بساطة أسلحتهم وهربوا من مواجهة المسلحين ولكن الولايات المتحدة سارعت بالتدخل عبر شن الضربات الجوية وخاصة بعد مخاوف من مذبحة طائفية محتملة للطائفة اليزيدية على يد تنظيم الدولة.
وتمكنت الولايات المتحدة من تشكيل حلف دولي مناهض لتنظيم الدولة وتصاعدت عمليات مكافحة الإرهاب ولكن البيانات تفيد بان هجمات التنظيم قد استمرت بلا هوادة إلى حد كبير، كما زاد عدد المجندين وبالتأكيد كما يقول هينمان فان تنظيم الدولة هو أقوى الآن مما كان عليه قبل عام وانه قد حقق نجاحا ملحوظا لا يمكن تجاهله، وأضاف: «فوجئ الناس عندما سقطت الموصل في العام الماضي ولكن الناس يشعرون بدهشة أكثر الآن لان الجماعة ما زالت تسيطر على المدينة إضافة إلى الرمادي ومناطق أخرى ناهيك عن توسعها في جميع أنحاء العالم».
اعتقد المسؤولون الأمريكيون للوهلة الأولى بعد بدء الضربات الجوية ان يضطر التنظيم إلى تغيير نهجه العملياتي إلى حد ما مثل عدم استخدام القوافل الكبيرة للهجوم في مواجهة الغارات ولكن هذا لم يتحقق وكان هناك توقع بان تتلاشى التجمعات الكبرى للتنظيم قرب المدن والمواقع العسكرية ولكن هذا لم يحصل أيضا، مما يشير إلى حالة مزرية من عدم التنسيق بين القوات العراقية وقوات التحالف.
وفي سوريا تعترف المعارضة المعتدلة والتي ما تزال تعاني حالة من الانقسام ان قواتها لم تحقق أي نجاحات حقيقية ضد تنظيم الدولة، وعلى حد قول أحد قادة الجيش السوري الحر فان السنوات المقبلة ستكون أسوأ إذا لم يتغير الوضع ويحصلون على دعم حقيقي وفعال من الدول الغربية وخاصة من الولايات المتحدة. وفي العراق، أدت حالة من عدم الثقة واللوم بين الولايات المتحدة والحكومة العراقية إلى تأخير الكثير من المساعدات العسكرية، حيث تستجوب واشنطن بشكل متكرر إرادة القوات العراقية في القتال وفي الوقت ذاته يؤخر الجيش العراقي المساعدات والتدريب للقوات الكردية والسنية عن عمد.
ولا يمكن الإدعاء بتحقيق نصر كامل لتنظيم الدولة في العام الماضي، فقد كانت هناك بعض الخسائر البارزة مثل فقدان بلدة كوباني الحدودية، كما تعرض التنظيم لهزيمة صعبة في مدينة تكريت دلت على تصميمه وعزمه على القتال الشديد مما يعني ان محاولة الولايات المتحدة إستعادة السيطرة على الموصل والمدن الرئيسية الأخرى ستكون معركة محفوفة بالمخاطر، ومن غير المتوقع ان يتمكن الجيش العراقي من هزيمة تنظيم الدولة في الرمادي هذا العام، فدولة الخلافة ما زالت قوية ولكنها في حالة تغير مستمر.
وإذا أردنا الخروج باستنتاج واضح لما آلت إليه الأمور بعد عام من إعلان الخلافة ومئات الضربات الجوية، يمكننا القول ان جهود الولايات المتحدة قد أعاقت قليلا طموحات تنظيم الدولة، ولكنها بالتأكيد لم تهزمها. وفي الواقع لم تتمكن أمريكا من خفض عدد المقاتلين في ساحة المعركة ولا من خفض قدرة التنظيم على القيام بعمليات إرهابية. لم ترفض الإدارة الأمريكية الاعتراف بهذه النتيجة حيث قال المتحدث باسم البنتاغون الكولونيل ستيف وارن المنتهية ولايته ان الولايات المتحدة لم تتوقع طرد تنظيم الدولة الإسلامية خلال عام من العراق أو سوريا، مؤكدا ان المعركة ستستمر لسنوات.
أما الحسابات العسكرية الرسمية الأمريكية التي يمكن الحصول عليها من محاضر المناقشات الدورية لمكاسب البنتاغون أمام تنظيم الدولة فهي تأخذ بعين الاعتبار قدرته على التحرك بشكل جماعي حول العراق، ومساحة الأراضي التي يسيطر عليها، وبناء على تقديرات وزارة الدفاع فان التنظيم يسيطر حاليا على أقل من 25 في المئة من الأراضي التي كان يسيطر عليها قبل عام ولكن هذه التقديرات غير مدعومة بخرائط متاحة تظهر الاختلافات بين العام الماضي والآن.
رائد صالحة