بعد سقوط الموصل، وادراكا منها لتهديد جدي لمصالحها، دفعت الدول العربية المعنية باتجاه تشكيل التحالف الدولي، بالتنسيق مع الدول العربية الأخرى، والغربية، بقيادة الولايات المتحدة وبإسناد عربي رسمي لمواجهة الدولة الإسلامية، والحد من اتساع رقعتها الجغرافية باتجاه الأردن، والسعودية، ودول الخليج، وهو ما قد يشكل خطراً على المصالح الغربية، وتهديداً جدياً لها حول العالم. إلاَّ ان تصريحات لمسؤولين غربيين، ووقائع ميدانية ملموسة تؤكد على صعوبة القضاء على التنظيم الذي تحالفت ضده عشرات الدول لمساندة القوات الأمنية العراقية، وقوات الحشد الشعبي الشيعية، ومقاتلي صحوات العشائر السُنيَّة.
بعد أقل من شهر على سيطرته على الموصل، شن التنظيم هجوما كبيرا على المناطق العربية المجاورة لحدود إقليم كردستان، وهي المعروفة باسم المناطق المتنازع عليها، انطلاقا من مدينة الموصل التي تعد بمثابة العاصمة التي أعلن منها أبو بكر البغدادي دولة الخلافة الإسلامية، «لكن اعتماد التنظيم مبدأ اللامركزية في إدارة مناطق نفوذه، لم يبوأها تلك المكانة السياسية، لكنها ظلت المنطلق الأساسي لشن الهجمات، وهو بذلك أقنع السكان المحليين وقوفه إلى جانبهم في التصدي للتهديدات الكردية بالاستحواذ على المناطق العربية لضمها إلى إقليم كردستان تمهيدا لإعلان دولة كردية مستقلة تمتد إلى مناطق في شمال سوريا، حيث يستمر التنظيم بذات مهمة التصدي للمشروع الكردي على الأراضي السورية، وحماية المناطق والمدن العربية بما يؤدي إلى تقويض المشروع الكردي، وهو ما أدى إلى وقوف العرب إلى جانب التنظيم، مما أعطاه قوة مضافة ساهمت في الحد من احتمالات بناء قوة محلية قادرة على هزيمة التنظيم»، كما يقول المحلل المهتم بشؤون المقاومة العراقية، محمد العمري، لـ «القدس العربي».
من جانب آخر، يرى «ان الصراع هو صراع إرادات، وعقول، قبل ان يكون صراع ميادين. فالتنظيم يهزم القوة المهاجمة على أصعدة عدّة قبل ان يهاجمها عسكريا، وهذا يعود إلى تفوقه في الجانب الإعلامي والسياسي، كما هو تفوقه المعروف في الجانب الفكري والمنهجي، على باقي مناهج الجماعات الإسلامية، بسبب ما يعكسه من صورة ثبات على العقيدة، وتقدم أعلى قياداته الصفوف الأمامية للجبهات، وهي صور تغري المزيد من المقاتلين الأجانب للانضمام إليه دون غيره من التنظيمات والجماعات، والمقاتلون الأجانب هم عنصر قوة في أي فصيل يتواجدون به، وهو ما يحدث في العراق وسوريا، وفي ليبيا واليمن وأفغانستان، والقوقاز مؤخرا».
التدريب عالي المستوى على القتال، والاستعداد للتضحية والموت، ميزة يتفوق بها مقاتلو الدولة الإسلامية على غيرهم، سواء أكانوا من مقاتلي القوات الأمنية، والأخرى المساندة لها، أو من مقاتلي الفصائل المقاتلة على اختلاف مشاربها، كما يلعب عامل الخبرة القتالية لقادته، ومقاتليه الممتدة إلى أكثر من عشرة أعوام، عاملا مضافا إلى قوة التنظيم وقدراته، هذه وغيرها من بين أسباب أخرى يرى الضابط السابق في الحرس الجمهوري، محمد حمد، «انها عوامل قوة التنظيم الذي تعكف مراكز دراسات وأبحاث حول العالم، على دراسة استراتيجياته العسكرية للنفاذ إلى بعض مكامن الضعف التي يمكن الدخول من خلالها لهزيمته، وهناك صعوبات جدية في الوصول إلى استراتيجية مقابلة لمواجهة استراتيجيات التنظيم الذي يتميز بوجود قيادة اكتسبت خبراتها من معارك خاضتها بنفسها، وهو على خلاف ما يتم تصويره في وسائل الإعلام، بأنّ التنظيم يقوم على توريط الشباب، وزجهم في معارك تؤدي بهم إلى القتل، فهناك مثلا، مهندس كهربائي، أو مزارع، يقود أخطر معارك التنظيم، ويحقق إنجازات عسكرية مهمة، فالمقاتلون، كما أرى، مستعدون لتنفيذ أوامر البغدادي مستدلين بشرعية دينية يدينون بها تقودهم إلى الطاعة في ما لا يتعارض مع محددات وثوابت الشريعة الإسلامية، وهو نمط من العقيدة القتالية لا نجده عند أغلب أعداء التنظيم، وخصومه، لهذا استطاع التنظيم التمدد في مساحات شاسعة، ربما ان غالبيتها هي مناطق خالية من السكان، لكنها بالتأكيد مهمة من الناحية العسكرية، ومهمة أيضاً من ناحية تأمين الدعم اللوجستي، ويمكن النظر إلى تلك المساحات الخالية كمحطات انطلاق لخطوات لاحقة في إطار سعيه الدؤوب للتمدد وفرض السيطرة على أكبر رقعة جغرافية متصلة».
يختم الضابط السابق في الحرس الجمهوري، محمد حمد، لـ «القدس العربي» قائلا: «كلما تمدد التنظيم، وفرض سيطرته على مساحات جديدة، كلما نتجت عنها منطقة رخوة في منطقة أخرى من مناطق خصومه، لهذا يباشر فورا في ضرب تلك المنطقة الرخوة بقوة تضاعف وقع الإنجاز العسكري، وتزيد من تداعياته السلبية على خصومه».
التقليل من أهمية التنظيم، وقدراته القتالية المتنامية، وعدم فهم استراتيجياته، هذا وغيره أدى إلى «تمكن التنظيم من البقاء لعام كامل في مناطقه، والسيطرة على مناطق أخرى، كمدينة الرمادي، وأيضا فقدانه مناطق مثل الدور والعلم وتكريت، لكن هذا أيضاً فرضته عوامل الخلل في التوازنات العسكرية بين التنظيم الذي يقاتل لوحده، وخصومه المتمثلين بسبعة جيوش في العراق وسوريا، كالجيشين العراقي والسوري، والحشد الشعبي والصحوات والميليشيات الشيعية، وفصائل الجيش السوري الحر، وأيضا الكتائب الإسلامية المعتدلة منها والمتشددة، مع تحالف دولي تقوده أقوى قوة عسكرية في العالم، ومع هذا نجح في الحفاظ على معظم مناطق سيطرته، وإدارتها بشكل أكثر نجاحا من إدارة الحكومة المعروفة بالفساد المالي ومعدلات الجريمة العادية والمنظمة، وهو ما تخلو منه مناطق نفوذ تنظيم الدولة تماما»، كما يقول الناشط الميداني، عمر فواز، من احدى مدن الأنبار، ويختم قائلا: «تنظيم الدولة اليوم في نظر عموم السُنَّة هو خط الدفاع الأخير عن وجودهم وقيمهم وممتلكاتهم ومناطقهم».
وائل عصام ورائد الحامد