مهدي نصيرـ الشِّعر حلمُ اللغة (التاريخ) عندما تهدأ مَركباتهُ النهارية الصاخبة، ويهدأ ضجيجُ محفَّاتِ نقلِ موتاه، ويلتمُّ دمهُ المسفوحُ من الأزقةِ الرطبة والمتفسِّخة والعفنة .والشِّعر حلمُ الإنسانِ العالي وبحثه عن قيمةٍ لهذا العالم وعن معنى لهذا الخواء والضجرِ اليومي المتكررِ وبحثه أيضاً عن انتسابٍ عميقٍ للطبيعةِ والطينِ بكلِّ مكوِّناتهِ التي أنجبها التاريخ .وهو كذلك حلمٌ بطبيعتهِ يسعى للانتشار ليُهدِّىءَ من صخبِ الموتِ المجانيِّ والبهيمية التي هي سمةٌ من سماتِ التاريخِ البشريِّ بل وتاريخ الطبيعة .الشِّعر في كلِّ الأمم كان إكسيرَ الحياةِ ومُحفِّـزَ التحضُّرِ والشعلة التي تسعى لإقامة الحلم البشريِّ السامي ومملكته المتعالية على هذا الخراب .لذلك فمعركةُ الشِّعرِ وأشكالهُ هي معركةُ الحياة الحقيقية والفعلية، وعبر التاريخ كان هناكَ شِعرٌ وكان هناك اجترارٌ للشِّعر، كان هناك نارٌ تتوقَّدُ وكان هناكَ رمادٌ يغرفهُ البلهاءُ والخبثاءُ ويحاولونَ إيقادهُ شِعراً وناراً / هذا الفارق بين النارِ وبين الرمادِ هو الفارقُ بين الحداثةِ الشِّعرية الحقيقية وبين اجترارِ ماضٍ شِعريٍّ أيقظَ في لحظةٍ تاريخيةٍ ذاتَ يومٍ الكائنات الجميلةَ مستخدماً بيئتها ولغتها وإيقاعاتها ومفرداتها وحاول التابعون تخليدَ هذه اللحظة الساكنة وفرضها قانوناً عاماً للحياة واللغة والشِّعر .هذه هي معركة الشِّعر عبر التاريخ وفي كلِّ الحضارات ومن بينها معركة الشِّعر العربي للتحول لحداثةٍ عصريةٍ غيرِ منبتَّةٍ عن جذورها وإنما تتغذى منها وتنمو كجذوعٍ وأغصانٍ وثمارٍ جديدةٍ لا كجذورٍ مقدَّسةٍ نائمةٍ وتبتلعُ في نهمٍ الجذوعَ والأغصانَ والثمار .ـ وفي اللغةِ طبقاتٌ وكُتل (لغةٌ طينيةٌ ولغة رُخامية ولغةٌ هجينةٌ وغريبة ولغة من دمٍ ولعةٌ من كرتون .. الخ) وتتصارع هذه الكتلُ اللغويةُ وهذه الطبقات على احتلال سُلطة اللغة وامتلاك قواها وأدواتها وتوجيهها شعورياً ولا شعورياً باتجاه إنتاجِ خطابٍ يُعيدُ إنتاجها وتوطينها داخل أنسجةِ اللغة، وهنا تـقع المعارك اللغوية الكبيرة التي أطرافها ماضٍ صنميٌّ مُتحجِّرٌ يتصابى ويتحرَّكُ كالدُّمى ورديفٌ هجينٌ وغريبٌ وآخرُ غضٌّ طريُّ العودِ يبحثُ عن عُـشٍّ هاديءٍ لينمو .السؤال الكبير يبزغُ فجأةً: أيُّ اللغات كان الشِّعر يستخدمُ عبر التاريخ ؟سأستخدم هنا مقولةً ماركسية تقليدية: كان الشِّعر عبر التاريخ كائناً لغوياً يقف على رأسه وعلى الشُّعراء الكبار أن يعيدوه ليقفَ على قدميه وعليهم أن يعيدوا توطينه في الطين اللغوي للحياة وتحريره من عبودية لغةِ السماء المغمَّسة بدمٍ طفلٍ لم تنبتْ بعدُ شرايينه القادرة على حمله والتنقل فيه وغرسه في الطين لينبت أقوى وأبهى وأنقى.ـ وللغةِ أيضاً فصولٌ حارَّةٌ وفصولٌ مطريَّةٌ باردةٌ وفصولٌ ورديَّةٌ تنبثقُ فيها أزهارُها على الجذوعِ في طوفانٍ لغويٍّ مدهش، ولها خريفها البطيءُ الذي تسقطُ فيه أوراقها الميِّتة (مفرداتها، أبنيتها، رؤاها ..) والمتيبِّسةُ وغير القادرة على البقاءِ خضراءَ يانعةً وعلى اتصالٍ مع نسوغها العميقةِ ومع فضائها ورياحهِ المتحرِّكة .ـ في خريفها هذا البطيءِ يولدُ الشِّعر وتغزو أعشاشهُ جذوع اللغة العارية الباحثةِ عن أثوابٍ وأزهارٍ جديدة .ـ في الواقعِ اللغويِّ غير القابلِ للقياسِ على الطبيعة بتحرُّرها المدهش وعدم قدرة الايدولوجيا الرَّثة الدخول إلى حركتها ومكوناتها وآلياتها سنجد هشاشة اللغة وابتعادها عن الطبيعة وقدرة الايدولوجيا على الولوجِ إليها وإعاقة فصولها والعبث بمكوناتها، وعلى الشِّعر إعادة اللغة وتنقيتها من الدُّخلاء وتنشيط فصولها الطبيعية وإعادتها لدورتها داخل الطبيعة والتاريخ .ـ الشِّعر فَراشةُ طروادة الذهبية التي تنقلُ جنودها من غصنٍ إلى غصنٍ ومن شجرةٍ إلى شجرةٍ لتحتلَّ اللغةَ وتلقِّحها بالحياة .الحصن 2-10-2012