الباحث المغربي محمد التهامي الحراق: في غياب البعد التثقيفي تصبح فنون الإنشاد الديني معرضة لآفة الفلكلورية

الرباط ـ «القدس العربي»: يزاوج الباحث المغربي محمد التهامي الحراق بين البحث والتأليف في قضايا الفكر الإسلامي والتصوف والسماع والموسيقى الأندلسية والصوفية في المغرب، وبين الممارسة الوجدانية والإبداعية للإنشاد الديني، من خلال «مجموعة الذاكرين للمديح والسماع الصوفي» وغيرها من المجموعات المشابهة. كما يتولى الأمانة العامة لـ»نادي الإبداع والفكر» في الرباط. سبق له أن أصدر عدة كتب في مجال تخصصه، من بينها: «مقام التجلي في قصائد الصوفي أبي الحسن الششتري»، «موسيقى المواجيد، مقاربات في فن السماع الصوفي المغربي»، «فتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح النبي المختار» لمحمد بن العربي الدلائي الرباطي (دراسة وتحقيق)، بالإضافة إلى مشاركته في كتب جماعية: «جمالية السرد في الرواية العرفانية»، «لماذا نفرح بالمصطفى (ص)»، «الرواية العرفانية في تجربة عبد الإله بن عرفة»… ويتولى إعداد أو تنسيق أو تقديم برامج تلفزيونية خاصة في مجال الثقافية الصوفية والإنشاد الديني.
«القدس العربي» التقته، وأجرت معه الحوار التالي:

■ لوحظ في الآونة الأخيرة اهتمام قوي من لدن الشباب المغاربة بالأناشيد الروحية خصوصا والأغاني الدينية عموما، إلامَ يرجع ذلك في نظركم؟
□ يندرج اهتمام الشباب اليوم بالأناشيد الدينية وكل أشكال الغناء الديني، ضمن نسق انتعاش الإقبال على مختلف الأوجه الجمالية للتدين، انتعاش عرفه البعد الديني بوجه عام في المجتمع، بعد تراجع وانهيار بعض الإيديولوجيات التي كانت «تبشر» بنهاية «الأديان»، فكان أن أفضى هذا الانهيار إلى عودة قوية للدين على مختلف المستويات السياسية والإعلامية والاجتماعية والثقافية؛ وهي العودة التي سمّيت من لدن البعض منذ نجاح الثورة الإيرانية 1979 بـ»الصحوة الإسلامية». وقد مرت هذه «الصحوة» بمراحل وتطورات أسهمت فيها بقوة «عولمة الوهابية» بعد الطفرة البترولية، التي أفرزت ـ بحكم جملة من العوامل المؤثرة من بينها الانهزامات المتلاحقة للمشاريع الوحدوية أكانت قومية أم دينية ـ أفرزت صورا متطرفة ومتوحشة للتدين، مما جعل صورة الإسلام على الأقل منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، تتلطخ بنعت الإرهاب والعنف، والذي حاولت تكريسه مجموعة من الجهات السياسية والمخابراتية والإعلامية اليمينية والمتطرفة في الغرب أساسا… الأمر الذي دفع إلى بروز عدة أشكال لمقاومة هذه التنميط العنيف للتدين، وذلك بإبراز مظاهر جمالية وحضارية ذات عمق إسلامي رحموتي كوني، كان من أبرزها على المستوى الجمالي والفني انتعاشُ أشكال فنية ذات أفق إسلامي أكانت موسيقى صوفية أم أناشيد دينية؛ لذا ارتفع الطلب على هذه الأشكال، وكان ذلك واحدا من دواعي إقبال الشباب على هذه الأغاني والمنشدَات الدينية بمختلف مظاهرها التراثية، كالمديح والسماع وموسيقى الطوائف الصوفية… أو مظاهرها العصرية والمتمثلة أساسا في انتعاش الأغنية الدينية فالأنشودة الدينية…إلخ.
إقبال الشباب على الإنشاد الديني اليوم، في كلام مفرط الاختصار، جاء تلبية لاحتياجات أملتها تحولات إيديولوجية ومعرفية وحضارية بنيوية في الفضاء العام للمجتمع، فضلا عما تمتاز به هذه الموسيقى من ثراء جمالي وفني كان شبه منسي.
■ هل يمكن اعتبار الإنشاد الديني فنا وإبداعا، أم هو ذِكر وطقس روحي، أم هما معا؟
□ الإنشاد الديني بوجه عام اليوم هو فن ديني؛ بمعنى أننا إزاء «عمل فني» يجب أن تتوافر فيه شروط الجودة الإبداعية والفنية، من جودة شعر وجودة لحن وجودة أداء، أكان مجردا من الآلات أم مصحوبا بها؛ وهو في الوقت ذاته «فن ديني» مما يحتم تلقيه باعتباره فنا رساليا، أي حمالاً لقيم أخلاقية ومعرفية وجمالية تستمد روحها من أصول الدين ونصوصه التأسيسية في الكتاب والسنة.
هذا بإجمال، لكن يمكن اعتبار الإنشادِ بما هو «سماع»، أي بما هو أسلوب مخصوص في الإنشاد تبنّته المدارس الروحية الصوفية، واعتنت به واستعملته للتربية الروحية والتزكية القلبية؛ يمكن اعتبار الإنشاد بهذه المثابةِ وجها من أوجه الذكر. فهو يأتي عند الصوفية ملحقا بالأوراد والأذكار المرتبة، لذلك وضع القوم له شروطا متعلقة بالزمان والمكان والإخوان، وأسندوا له وظائف روحية مخصوصة، واشترطوا في من يتعاطاه إنشادا واستماعا شرائط وضوابط حتى لا تحيد هذه الوسيلة الجمالية الرفيعة عن الغاية الروحية والتربوية المخصوصة التي تُطلب من السماع بما هو ذكر داخل النسق التربوي الروحي الصوفي.

لغة بشرية تلائم الفطرة

■ إلى أي مدى تساهم الإبداعات الصوفية والروحية في خدمة القيم الإسلامية السمحة، من سلام ومحبة وتسامح وتعايش؟
□ طبعا «الإنشاد الديني» بوجه عام يسهم بقوة في ترشيد فهم الدين اليوم؛ ذلك أنه يبرز من جهة أن «في ديننا فسحة» كما ورد في الحديث النبوي الشريف، فلا يَعتقد معتقد أن الإسلام دين متجهم عبوس قوامه أوامر ونواه وإنذار وترهيب… وهي الصورة التي عملت بعض القراءات السلفوية الحرفية، بل و الأعرابية للدين على تكريسها بتركيزها على ثقافة «عذاب القبر» و»أوصاف الجحيم» وتغييبها للوجه الرحموتي والجمالي للدين.
أضف إلى ذلك، أن الموسيقى بوجه عام، أكانت بصوت بشري مجرد أم بصوت مصحوب بالآلات، هي لغة بشرية تلائم الفطرة وتؤثر فيها وتتجاوز حدود الأعراق والألوان والأجناس بل حتى الأديان… وبهذا الاعتبار يصبح «الإنشاد الديني» لغة كونية تجسد رحمة الإسلام في انفتاحها على الفطرة البشرية، وفي مخاطبتها للبعد الإنساني الكامن في كل إنسان باعتباره خليفة الله ونفخته الروحية، وحامل أمانته في الأرض، الذي تستحق آدميتُه التكريم مثلما استحق خلقهُ سجودَ الملائكة. هذا الأفق الجمالي والرحموتي والكوني والإنسي هو الذي من شأنه أن يثمر قيم التعايش والتصافح والمحبة والقبول بالآخر؛ وهو أفق يستطيع «الإنشاد الديني» أن يسهم فيه متى ما تشبع به في الشعر واللحن والإيقاع والأداء؛ ومتى ما خرج من ضيق «الإيديولوجيا الدينية» إلى رحابة ووُسع رحموتية الدين كما جسدتها بعض المدارس العرفانية الإسلامية الكبرى.
■ حسناً، ما هي القيمة المضافة التي تسعى إلى تحقيقها من خلال برامجك التلفزيونية حول التصوف؟
□ من المعلوم الأهمية القصوى للإعلام في مجتمعنا المعاصر؛ فالإعلام اليوم «سلطة»، وله قدرة خارقة على توجيه الحساسيات وصناعة الأحلام والتأثير في الآراء والنفوس؛ من هنا كان لزاما علينا أن ننقل رسالة «الإنشاد الديني» وتخصيصا «السماع الصوفي» إلى الإعلام من أجل تثقيف تلقي الفنون الموسيقية الصوفية المقبلة من خلوات الذاكرين وزوايا المتنسكين؛ إذ في غياب هذا البعد التثقيفي تصبح هذه الفنون معرضة لآفة «الفلكلورية» أي جعلها مظاهر طقوسية وفولكلورية بلا روح ولا دلالة، فارغة من عمق معانيها وأبعادها الوظيفية. وهذه أكبر جناية يمكن أن ترتكب في حق هذه الفنون الحضارية والروحية الباذخة.
القيمة المضافة الثانية التي يمكن لهذه البرامج أن تضطلع بها هي تعريف الأجيال الجديدة بثراء ثقافتنا وغناها الحضاري والروحي والجمالي… ومن ثم الإسهام في تمنيعهم ضد كل أشكال التقليد الأعمى، سواء للشرق أو الغرب؛ والعمل على تجديد علاقتهم بتراثهم وثقافتهم، وتحريرهم من النظرة الاستلابية التي قد تأسرهم في التعامل مع هذا التراث، والذي قد يعتبرونه مجرد أشكال موسيقية متحفية تصلح لتغذية تلك الصورة الغرائبية التي يحملها المتخيلُ الغربي السياحي عنا، ويغذيها بخبث بعض الإعلام وشرذمة من أهل الانتهاز في الغرب والشرق.
القيمة المضافة الثالثة، قيمة توثيقية لكثير من الألوان الإنشادية والفنية الدينية والتي تعتبر من التراث الشفهي المنقول روايةً والمتوارث بالتواتر والمعرَّض لمختف أشكال التلف والاندثار والنسيان؛ وهذا البعد التوثيقي بعدٌ نفيس على مختلف المستويات السياسية والعلمية والأنثروبولوجية والحضارية والجمالية … إلخ.

المزاوجة بين الممارسة والمدارسة

■ وكيف تتقاطع هذه البرامج مع تجربتك في الإنشاد الديني، وكذلك مع أبحاثك في الموضوع؟
□ أشكرك على هذا السؤال، وإن كنت أميل في الغالب إلى السكوت عن تجربتي معتبرا العمل هو الناطق الوحيد باسمها… ومع ذلك سأشذّ عن هذا الميل لأقول لك صديقي، إنني خلُصت إلى خلاصة رئيسة من مراوحتي بين الإنشاد والبحث مفادها أن ثمة علاقةً جدلية بين الممارسة والمدارسة؛ وأن ممارسة الإنشاد والإشراف على مجموعة سماعية فنية أصبح لها اليوم، بحمد الله، صيت وطني ودولي، أفادني كثيرا في أبحاثي عن التصوف والموسيقى الصوفية والسماع، مثلما أن هذه البحوث فتحت لي آفاقا واسعة في فهم آليات اشتغال النصوص الصوفية وخبايا الموسيقى الصوفية والسماع على مستويات التاريخ والتأصيل والنصوص، وكذا على مستويات الألحان والإيقاعات والأداء ومراسم تجديد التلقي لهذه الموسيقى هنا والآن… بل تأكدتُ أن هذه الموسيقى كانت دوما تشتغل بجناحي المذاكرة والذكر أو قل العلم والذوق، العلم الصوفي وضمنه المعرفة بالسماع وبأبعاده الوظيفية ومكوناته الفنية، والذوق سواء الذوق العرفاني أو الجمالي الفني؛ بل أتاحت لي هذه المزاوجة ـ التي كانت دائما موجودة لدى كبار أهل السماع والموسيقى الصوفية وأعلامها منذ القديم ـ أتاحت لي أن أخطو بعض الخطوات على طريق أعتبره مفتاح الخروج من تصادم المحافظين الذين يرفضون كل مس بالتراث الموسيقي الصوفي، مع المجددين الذي يطالبون بحقهم في الإبداع والإضافة… وقوام هذا الطريق ما سار عليه بعضُ شيوخنا رحمهم الله من عمل على المحافظة من خلال التجديد وعلى التجديد من خلال المحافظة، أو بلغة أوضح العمل تجديد هذه الفنون من داخلها ووفق آلياتها المُضْمَرة، والتي لابد من المزاوجة بين الممارسة والمدارسة لاكتشافها وإماطة اللثام عنها. وهو ما سبق أوضحته بنوع من التفصيل في كتاباتي، وقدمته من خلال نماذج نظرية وتطبيقية في العديد من اللقاءات العلمية والفنية.

الطاهر الطويل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية