على الرغم من الازمة الاقتصادية الخانقة التي تشهدها بلادهم، احتفل كثير من اليونانيين مساء أمس الأول الاحد بتحقيق حملة الرفض لشروط الدائنين فوزا ساحقا وتاريخيا في الاستفتاء الشعبي. وكأنهم يقولون انهم يفضلون الخروج من «جنة اليورو» على ان يخضعوا لتلك الشروط المذلة التي كانت تعني اطاحة جزء كبير من رواتبهم التقاعدية، وفرض مزيد من الضغوط الاقتصادية عليهم.
وفي خطاب مؤثر قال وزير المالية اليوناني يانيس فاروفاكيس للمحتفلين امام البرلمان ولاوروبا ايضا «ان التصويت بـ (لا) يعني الرفض لقفص حديدي اسمه اليورو، ويعني (نعم) كبرى لاوروبا ديمقراطية، وان اوروبا التي ينبض قلبها في اليونان الليلة ستبدأ من الغد في تضميد جراحها وجراحنا ايضا».
ومن جهته اعلن يورن ديسلبلوم رئيس منطقة اليورو وزير المالية الهولندي، أن تصويت اليونانيين بـ «لا»، لن يسهم في الاقتراب من الوصول إلى حل.
وأعلن وزراء مالية منطقة «اليورو»، عن عقد اجتماع في بروكسل، اليوم الثلاثاء، لدراسة المقترح المزمع تقديمه من قبل أثينا، وسيعقب اجتماع الوزراء، قمة طارئة لزعماء منطقة «اليورو»، في مساء اليوم نفسه، لبحث مستجدات الوضع اليوناني.
وتضم منطقة اليورو 19 دولة هي بلجيكا، وألمانيا، وإستونيا، وإيرلندا، واليونان، وإسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا ، ومالطا، وقبرص الجنوبية، ولاتفيا، وليتوانيا، ولوكسمبورغ، وهولندا ، والنمسا ، والبرتغال، وسلوفينيا، وسلوفاكيا، وفنلندا.
وحسب خبراء فانه ليس دقيقا القول ان نتيجة الاستفتاء تعني ان اليونان ستخرج حتما من منطقة اليورو، الا انها ستكون مطالبة بتقديم عرض قابل للتوافق لما يمكن ان تقوم به من اجراءات اقتصادية.
وبالطبع كان التيار الرئيسي في أوروبا يفضل ان يقبل اليونانيون بالشروط ، لاسباب سياسية إلى جانب الاقتصادية، حيث ان هكذا نتيجة كانت ستطيح بحكومة رئيس الوزراء تسيبراس الذي قاد حملة الرفض في الاستفتاء مجادلا بأنه الطريقة الوحيدة للحصول على تسهيلات من الدائنين وصفقة افضل.
وفي المقابل اعلن زعماء فرنسا والمانيا واخرون صراحة ان التصويت يعني ان اليونان ستكون اول دولة تخرج من منطقة اليورو. وحسب سيجمار غابرييل نائب المستشارة الالمانية فان تسيبراس «حرق سفنه برفض الشروط»، لكن رئيس الوزراء اليوناني يصر على أنه قوى مركزه التفاوضي. وهو ربما يراهن على ان اليونان ليست الوحيدة التي تعاني من الديون في أوروبا، وان خروجها من منطقة اليورو قد يمهد الطريق عمليا إلى البرتغال وايطاليا واسبانيا، ما يعني عمليا انهيار اليورو. وهنا يبرز السؤال ان كانت المستشارة ميركل ستسمح بحدوث ذلك خاصة ان انهيار العملة الاوروبية الموحدة قد يعني «فشل عهد ميركل»، كما قال غلاف مجلة «دير شبيغل» مؤخرا.
ومن غير الواضح إلى أين ستتجه الأمور إلا انه من المنطقي ان يتساءل المراقب ان كانت المفاوضات التي فشلت طوال الشهور الخمسة الماضية يمكن ان تحقق اختراقا سريعا.
ويرى خبراء انه حتى اذا تم التوصل إلى حل مؤقت للمشاكل على المدى القريب، فانه من غير الممكن ايجاد تسوية لأزمة اليونان المزمنة على المدى الأبعد، وهي التي تزداد تفاقما. وبعد ان فشلت الحكومة اليونانية في تسديد مليار ونصف المليار يورو لصندوق النقد مؤخرا، فان استحقاقا جديدا سيحل بعد اسبوعين للبنك الاوروبي المركزي قدره ثلاثة مليارات ونصف المليار يورو.
ومن السهل ان يعتبر المراقب ان اليونان تبقى مطالبة اخلاقيا على أي حال برد القروض، أو ان يدين الحكومات المتعاقبة التي استمرت في الحصول على القروض رغم المصاعب الاقتصادية ربما بالتلاعب عبر إظهار أرقام مفبركة حول حقيقة الأوضاع في البلاد، لكن الدائنين يتحملون ايضا جزءا من المسؤولية، وهم الذين تغاضوا احيانا عن التأكد من قدرة اليونان على السداد سعيا لتحقيق ارباح للمدراء او المؤسسات من وراء القروض.
وللاسف فان تلك الاموال لم توجه إلى الأكثر احتياجا في البلاد، بل استفادت منها الشركات الكبرى، فيما تواصل تردي الاقتصاد حتى انكمش بنسبة الربع، فيما بلغت نسبة البطالة 26 في المئة، وانخفض الدخل بنسبة عشرين في المائة.
انها معضلة لا تخص اليونان وحدها بل انها قد تؤثر على الاقتصادين الأوروبي والعالمي، وبالفعل بدأت دول تعتبر أفضل حالا مثل بريطانيا تقول انها ستتخذ الاجراءات الكافية لحماية اقتصادها.
ولا بد ان الأزمة الاقتصادية ستنعكس في سياسات أوروبية اكثر حمائية وانغلاقا ما قد يؤثر كذلك على قضايا المهاجرين وغيرها.
رأي القدس