فيلم بريطاني منسي من عام 1990، «المسيرة»، الذي ألفه وليام نيكولسون («غلادياتور»)، يبدو بعد ربع قرن وأنه نبوءة لافتة. الفيلم يقدم مسيرة تلقائية مستقبلية لآلاف الافريقيين من الدول الفقيرة، الجوع، العطش وانظمة استبدادية، باتجاه شواطيء شمال افريقيا. السائرون ليسوا عنيفين، وسيبحرون في سفن مترهلة ويطلبون منزلا في الدول الاوروبية، وعلى لسانهم: «نحن فقراء لأنكم أغنياء».
كما هو معروف، منذ التسعينيات استقبلت الدول الاوروبية الغربية المهاجرين من الاتحاد السوفييتي بعد البرسترويكا، واللاجئين من البلقان من يوغسلافيا وكثير من الاتراك والعرب والالبان وغيرهم. الولايات المتحدة، بخلاف رغبتها، يوجد فيها مهاجرون من كل الدول ومنها إسرائيل ايضا. وجميعهم يريدون عدم تحقق نبوءة نهاية العالم، والسيطرة على الادوات المتداخلة. كل دولة زادت عدد سكانها بنسبة مئوية، لذلك فانهم يُمكنون اغلبية المهاجرين من الاستثمار والعيش والانتماء وضمان المستقبل. يطهرون قليلا الضمير البرجوازي الشبعان. «لأن الغنى»، قال أحدهم، «لا تصنعه أبدا بأموالك». هذا يعني أننا مدينون لهم ايضا على الصعيد الكوني.
زعماء إسرائيل الصغيرة، قدوة الآخرين، يقتنعون بأن إسرائيل دفعت نصيبها. لأننا استوعبنا ملايين الناجين من الكارثة والقادمين من الدول العربية. وحسب قانون العودة، مليون من الاتحاد السوفييتي سابقا، 70 ألفا من اثيوبيا (ما زالت معاملتهم سيئة، ويجب أن تكون بطلا في الجرف الصامد كي تستطيع احضار بقايا لحم من اثيوبيا) وآخرين. الأولوية لفقراء شعبنا رغم أن بعضهم ليس فقيرا بالفعل، أو ليس يهوديا بالفعل.
لكن النبوءة في الفيلم المذكور أعلاه تلائمنا بشكل خاص، حين بدأ آلاف الافارقة اللاجئون من الدول القمعية والحروب الدموية والباحثون عن العمل التدفق إلى البلاد، لم يكن هناك نظام، قانون، حدود ورقابة، ولم تكن هناك سياسة لمتابعتهم، وفحص من يستحق اللجوء السياسي ومن يستطيع أن يجد هنا العمل والمعاملة. هذا ما حدث عندما تم نقل المهاجرين إلى تل ابيب بدون أن يسألوهم وبدون تسجيل، وتحولوا هناك إلى ماكثين افريقيين غير قانونيين، أقل درجة من الماكثين الغير قانونيين الفلسطينيين. ووجدت هناك احياء فقيرة وعنيفة وسيطر الخوف على المدينة. وفي مظاهرات الضائقة الخاصة بنا ضد الضائقة الخاصة بهم احتفل الكهانيون والميري ريغفيون بـ اللاحل. بعد اقامة الجدار في الجنوب انخفض عدد المتسللين إلى الصفر.
ما هي إذا مكانة الباقين، الذين يوجدون هنا منذ عشرين عاما، وقد انشأوا جيلا ثانيا إسرائيليا بكل معنى الكلمة، باستثناء الحقوق والمصير؟ منذ زمن ليس ببعيد، وحين تبين لسلطة الهجرة أنه لم يعد أحد يؤمن بخدعة الانتقال إلى ارض افريقية اخرى، فقد قررت أن من لا يترك خلال اسبوعين فسيسجن لوقت غير محدود. وزير الداخلية سلفان شالوم، الذي يسيطر على سلطة الهجرة والصلاحيات يجب عليه أن يفهم أهمية البعد العالمي لمعاملتنا للغريب الاسود والضعيف ـ معاملة ناكرة وعنصرية ـ وتغيير هذه المعاملة. لكون سلفان شالوم من مواليد شمال افريقيا، فيمكن أن نتوقع منه معاملة جيدة وتفكيرا جديدا. فهو يستطيع توزيع المهاجرين في البلاد وأن يُمكنهم من العمل أو التعليم المهني والحصول على المواطنة المؤقتة المشروطة. صحيح أن عليه محاربة شركات القوى العاملة البشرية وتقليص استيراد العمال من آسيا، لكن يبدو أن سلفان قال سلاما لـ درايف الذي حركه ذات مرة. فهو ايضا مثل سلفه (ايلي يشاي، وزير الداخلية الاكثر شيطانية، يدفع الآن ثمن اخطائه وفشل الآخرين)، ويبحث عن الحل السهل: الطرد أو السجن. وليذهب العالم ومجلس حقوق الانسان والامم المتحدة من اجل البحث عن حقوق الانسان في سوريا.
كيف إذا سنسمي القهوة السوداء التي تقدمها جودي إلى ستيف في الصباح، قبل أن يفعل شيئا جيدا مرة اخرى لليهود؟ حليب؟.
معاريف 7/7/2015
اسحق بن نير