يبحث في الأصولية والصراع السياسي في عهد الجنرال محمد ضياء الحق: «الاسلام والعلم… ومعركة العقلانية» للباكستاني برويز أمير علي بيود

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: في كتابة «الإسلام والعلم.. الأصولية الدينية ومعركة العقلانية» الذي صدر حديثاً ضمن سلسلة الفكر لمكتبة الأسرة في الهيئة المصرية العامة للكتاب، يؤكد الكاتب الباكستاني برويز أمير علي بيود، على أن الظروف العصيبة التي مرت على باكستان بعد الانقلاب الذي أطاح بحكومة ذو الفقار علي بوتو عام 1977، حيث اتهم فيه بالخروج عن الاسلام وقاد الانقلاب الجنرال ضياء الحق قائد القوات المسلحة ذلك الوقت، بدعم من المؤسسة الإسلامية، هي التي دفعته إلى تأليف هذا الكتاب، حيث أصبح الاختلاف في الرأي مع ممارسات الدولة يدفع صاحبه إلى الاعتقال، ويشير برويز إلى تعرض العديد من أساتذة الجامعات إلى الاعتقال بسبب آرائهم التي تتعارض مع ممارسات الحكومة، التي حسب وصفه حاولت أسلمة كل شيء بما فيها العلوم، ويؤكد برويز على أن المحاولات المستمرة لأسلمة العلوم التي يمارسها بعض الأساتذة الذين تحولوا لإرضاء السلطة، دفعته إلى إعادة الاكتشاف وقراءة التاريخ الإسلامي مرة أخرى.
البروفيسور محمد عبد السلام الحائز جائزة نوبل في الفيزياء، أكد في تقديمه للكتاب على اتفاقه مع المؤلف، على أن الأصولية العقائدية بالاضافة إلى روح عدم المسامحة هما من أهم عوامل قتل مسيرة الازدهار في الإسلام، الذي تتوقف ظروف ازدهاره في ظل وجود تجمع عددي من العلماء يشكلون مجتمعاً علمياً، كذلك يحتاجون إلى التمتع المطلق بالحرية في إبداء الرأي والمناقشة. وأضاف أن هذا المناخ غير متوفر في الإسلام المعاصر. ويرى عبد السلام أن بعض العلماء ينادون بما يسمى بالعلم الإسلامي، وهو منهج مرفوض لأنه لا يوجد ما يسمى بالعلم الإسلامي أو اليهودي أو المسيحي، العلم واحد عالمي، أما عداه فهو تزييف. وأعاد عبد السلام اتباع المنهج العملي «البراغماتي» لتوفير أسلوب وحيد لاستعادة الحياة للعلم الحقيقي في البلاد الإسلامية.
ينقسم الكتاب، الذي قام بترجمته إلى اللغة العربية محمود خيال، إلى جزئين، الجزء الأول يتعرض المؤلف فيه إلى الوضع الراهن الذي أصبح عليه العلم والتعليم في العالم الإسلامي. أما الجزء الثاني فيسرد تاريخ العلم في الإسلام، بالإضافة إلى تناوله لمفهوم العلوم إبان فترة حكم ضياء الحق في باكستان.
في الجزء الأول من الكتاب يطرح المؤلف تساؤلا حول مدى التوافق بين العلم والإسلام، هل يوجد توافق بين المعتقد الإسلامي وبين علوم العالم الطبيعية، أم أن هناك تنافرا بين نظام غيبي مبني على الإيمان، ومتطلبات المنطق والتساؤلات الموضوعية؟ ويشرح أن التقدم العلمي يرتبط ارتباطا وثيقا بالمعتقدات، ويضيف أن العلم بطبيعته لا يمكن أن يكون إلا مسألة إنسانية مدنية، بما لا يحتم إلغاء عنصر المقدس الغيبي، لأن إثبات الحقائق العلمية لا يعتمد على أي نوع من السلطة الروحية. ويؤكد أن الحضارة الإسلامية دفعت ثمناً فادحاً على مر التاريخ بسبب فشلها في الاستحواذ على مقاليد العلم، ما تسبب في تراجعها وتخلفها، مقارنة بتقدم الغرب وارتقائه. ويوضح التاريخ عجز المجتمع الإسلامي على مواجهة الاستعمار التجاري في القرن الثامن عشر، واحتلال معظم الدول الإسلامية من غرب أفريقيا إلى شرق آسيا، حيث اعتمد الاستعمار على قدراته العلمية، ترك المسلمين تائهين وفاقدي الثقة في أنفسهم. ويؤكد أن تخلف البنية العلمية من أهم أسباب الأزمة التي تغلف العالم الإسلامي، ويختم أن الأمل لازال موجودا مع تنامي أعداد المسلمين المدركين لاحتياجات التغيير ونمو العلم في الدول الاسلامية. ويقول إن العلم يتعرض لهجوم مرير من جانب التيارات المعارضة له، خاصة من أنصار المعتقدات الدينية على اختلاف مذاهبهم، باعتباره عملا شيطانيا موجها نحو تدمير القيم والأخلاق المستلهمة من التعاليم الإلهية المقدسة.
ينتقل الكاتب إلى وصف طبيعة العلم ومنابعه، ويجيز تشبيه العلم بمبني دائم التطور، لا تنقطع فيه أعمال التجديد، مضيفاً اليه أجزاء وملحقات كثيرة، حتى وصل إلى تكوينه المعقد الهائل، هذه الصفة التراكمية والمؤقتة لطبيعة العلم تميزه عن صفات باقي المؤسسات الإنسانية العظيمة، مثل المؤسسة الدينية والفلسفية الفن، لأن الدين يقوم على أساس الوجود الأبدي والحقائق الثابتة التي لا تقبل أي إضافة أو نقصان من قبل الأجيال المتعاقبة، والحكمة في الدين ليست متراكمة ولكنها قائمة منذ البداية.
يستشهد المؤلف بالمنهج الديكارتي الذي وضعه الفيلسوف الألماني رينيه ديكارت، الذي يفسح المجال لوجود علم متكامل للطبيعة، يتميز باليقينية التامة، ويضيف أن الثورة العلمية أطاحت بنظام القرون الوسطى بالتسلط المركزي وهيمنة الكنيسة، دأب فلاسفة المنطق على إنكار التدخل الإلهي الواعي في صناعة المعجزات، ويؤكد أن هذه النقطة شكلت محورا مهما في النزاع بين رؤية العالم العلمي الناشئة حديثاً وبين الرؤية الدينية التقليدية، ويختم أن العلم حررنا من قوى الطبيعة المتقلبة، وأعطانا اليقين، لكن مع احتمال أن تكون الثوابت العلمية في حقيقتها ضرباً من الوهم.
يعود المؤلف إلى البحث في حقيقة الصراع بين العلم ومسيحية القرون الوسطى، مؤكداً أن صرامة التشدد الأصولي في كل المعتقدات لم تكن يوماً على وفاق مع اكتشافات العلم، الأصولية المسيحية لها تاريخ طويل من المعارك بينها وبين العلم في العصور الوسطى، وحتى اليوم، ويشرح أن الممارسات التي اتبعتها مسيحية القرون الوسطى لامتهان الروح الإنسانية وتعذيبها ولقمع وتحطيم التساؤلات العلمية قائمة طويلة، ويختم أنه رغم عودة اللاعقلانية الدينية في دول الغرب، الا أن المعركة من اجل التعقل لم تخسر بعد.
ينتقل الكتاب إلى وصف حال العلم في البلاد الإسلامية حالياً، يقول إن المناخ العلمي المعاصر في الدول الإسلامية مليء بالتناقضات، الدول الاسلامية ستهلك ما ينتجه الغرب باستخدام العلوم، في الوقت نفسه تنبذ هذه الدول العلم، الأسلوب الذي يمليه العلم من نقد للاراء يشكل تهديداً للأفكار التقليدية.
يطرح الكاتب في نهاية بحثه سؤالاً يجيب عليه مقدماً بالنفي، وهو، هل يمكن وجود علم إسلامي، ويجيب أنه لا يمكن وجود علم إسلامي للعالم المادي، كما أن أي محاولة لخلق هذا العلم تمثل إهداراً للجهود، لا يوجد علم إسلامي، العلم يتميز بأنه محدد المعالم وملموس، وأن تحديد أي مجموعة من الأخلاقيات والقواعد الدينية لا يتيح للفرد بناء علم جديد من لا شيء. ويضيف أن فلسفة كارل ماركس التي أوحت إلى بعض الفلاسفة والعلماء في البحث عن علم للعالم المادي تقوم نظريته المعرفية على الجدلية المادية أيضاً فشلت، بل على حد وصفه كانت كارثة، ويستند على حركة ليسينكو التي اعتمدت على بيانات مغلوطة وحجج مشبوهة في محاولتها لهدم نظرية مندل الوراثية، حيث ادعت أن الوراثة لا تعتمد على التركيبات الجينية، بل أنها تحدث نتيجة تفاعل الكائن والبيئة، حيث تنتقل خبرة الكائن إلى ذريته، ويشير إلى أن هذه الممارسات والتجارب لعبت دوراً في إخراج العلماء التقدميين من وهم مقولة إمكانية إجبار الطبيعة لقبول الأفكار العقائدية.

رانيا يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية