تحدث الكتابة الشعرية شرخا بالغا في جسد اللغة، فتهدم نواميسها التقليدية وقوانينها الجامدة؛ ولأنها ثورة مستمرة ضد لسان الدوكسا، وضد القوالب الجاهزة، وضد الأفكار المتداولة، تبقى الكتابة الشعرية السبيل الوحيد للانشقاق على حدود ما هو لساني وسياسي. فمن جهة، يسعى الشاعر لتحطيم البنية اللغوية ليشق لنفسه ممرات متعرجة ووعرة نحو المجهول والغامض. ومن جهة أخرى، نتيجة لذلك، لا يتوارى في اكتشاف اللاممكن، والسفر في غياهب اللامعروف، لقول ما لا يقال، وتسمية ما لم تتم تسميته بعد.
القول الشعري إذن، يزعج أصحاب الفكر الضيق، ويخلخل أصوات الغباء، ويقلق كل من استكان للنموذج والأنماط المتكررة، ويشكك باستمرار في الحقائق الكلية، ويدعو إلى التساؤل المقلق والتفكير الدائم، وإعادة النظر في المسلمات واليقينيات. لطالما طالت آلة المنع والإحجام الشعر في أماكن وأحايين متعددة، إلا أن الشاعر يستطيع قول حقيقته النسبية، ولا يفتر عن المضي في البحث المضني على ما سماه الشاعر الفرنسي رامبو «الحياة الحقيقية» أو «الحياة الأسمى» بتعبير بودلير؛ أي حياة فيها من الصفاء ما يجعل القول الشعري بمنأى عن المكر والخديعة، بعيدا كل البعد عن الأوهام والأكاذيب. في هذه الحياة الصافية ينبعث الشاعر من رماده ليتحرر من سلطة الدوكسا، ويستعيد زخمه الحيوي كي يسترجع طاقاته العميقة، بل ويشعل من جديد نوره المنطفئ مهاجرا نحو الأفق البعيد، حيث يصبح الشعر حاملا للحب الإنساني الكوني. بهذا المعنى، لا ينكفئ الشاعر على ذاته ليجعل من شعره سيرة ذاتية خالصة أو عنوانا لنرجسية طافية. فهو ليس مهووسا إلى حد الجنون بأناه؛ لأن الشاعر هو صوت من لا صوت له يحكي عذاباته وعذابات الآخرين، فيجد نفسه فيهم، وغربته في غربتهم، وآماله في آمالهم، وآلامه في آلامهم. يجعل من قصيدته نقطة لقاء بين الفردي والجماعي، بين المحلي والعالمي، بين الذاكرة والمستقبل، بين المعلوم والمجهول. يغني الشاعر بالألوان والسواد، بالضوء والظلال، بالحروف والصمت لحن المهمشين والمقتلعين، يقول شرطه الإنساني وقلقه الأنطولوجي وحيرته الوجودية. فإن كان من الممكن وجود للسيرة الذاتية، فهذه الأخيرة، حسب عباس بيضون، «ليست عبادة ما هو ذاتي بل رؤيته وكأنه ليس ذاتيا وتسوية بما هو أخروي وعام (…)، فما يهم منها هو المألوف والمشترك».
يرفض الشاعر السكون والسكوت، فهو بطبيعته الشعرية دائم السفر، لا يستقر في مكان واحد، تواق للترحال بلغته الشعرية الحبلى بالمعاني الجديدة، والمفجرة لممكنات الآتي والمقبل، يسافر الشاعر في أصقاع بعيدة، يجوب الشرق والغرب، باحثا عن الرموز والأساطير، في ذاك الزمن السحيق. السكون موت مسبق لولادته الإبداعية والحركة المستمرة نجاة له من الصمت العدمي. في كل خطوة يخطوها يحمل معه الشاعر عالمه الغريب الذي شيده بشق الأنفس حجرة تلو الحجرة. عالم شيده بأناه المتعبة وبلغته المثقلة بالأسئلة المحيرة. السفر يجعله يرى ثقافة التوافقات المبتذلة والأفكار القبلية الجاهزة بعين الريبة والشك. يسافر الشاعر باستمرار؛ لأن لغته الفنية تتجاوز كل أنواع الحدود، تعيد رسم خرائط أخرى تضع الذات الشاعرة على تخوم اللامحدود، في فضاء رحب، من دون قيود أو أسوار. يقول محمود درويش في إحدى رسائله: «في اللغة نجد حلولنا، في اللغة نحاول أن نزوج المعلوم من المجهول، في اللغة نسافر ونعود، في اللغة نرسي للسفر قواعد سفر رمزية، وتكسر ذاتها لتبني ذاتها، أو تكسر السفر، في اللغة نصالح ما لا يتصالح في الواقع». يسافر الشاعر إذن من دون كلل، زاده الوحيد لغته الإبداعية المتحركة، ويمضي قدما نحو المجهول واللامرئي، ويترك وراءه آثارا وعلامات وإشارات لا يفهم معانيها العميقة سوى المطلع على أسرار البلاغة، والمدرك لبواطن الشعرية، والقادر على سبر خفايا اللغة الغريبة. يوقع الشاعر بقصيدته وشدوه على مدى تيهه وتجواله، حضوره الغائب وغيابه الحاضر. يكتب الشاعر مروره الخفي وينشد مصيره ككائن فان، وإنسان ثائر. يمضي الشاعر ويبقى شعره كرق خطت فيه رسالة عابرة للزمن والمكان، ما أحوجنا لفك طلاسمها وتأويل شيفراتها.
ليس للشاعر موطن. فموطنه الأصلي هو لغته الشعرية، إنها مسكنه الوحيد بتعبير هايدغر، حيث يمكن له أن يخلق جنيالوجيته المتفردة، ويمنح لنفسه ذاكرة جديدة، ويؤسس أسرة غير متجذرة. إن الفعل العمادي لدى الشاعر نابع من استعارات شعريته غير المألوفة، وانحيازات قصائده الصادمة، وخميائية قوله المنفتح على الحواس. يرحل الشاعر بين أطراس نقشت عليها أقوال منسية لشعراء منفيين، ملعونين ومهمشين. فمنذ جمهورية أفلاطون التي جعلت الشعر نوعا من المعرفة الوهمية المضللة للإنسان والمولدة لغرائزه الشريرة، اختار الشاعر عن وعي كامل أن يبتعد عن المركز، ويستوطن في المحيط، ويستقر في الجانبي، ويقيم على أرباض المدينة. لذلك، فهو لا يتوان في المطالبة بالاختلاف، ولا يتردد في أن يجعل من التمرد سمته الغالبة. يأكل الثمرات المحرمة، ويقترب من شجرة المعرفة المحظورة.
سيرة الشاعر هي في آن واحد، وعلى نحو تضادي، هبوط إلى العالم السفلي، وصعود نحو المدارج العليا. إنها سيرة عبور من القاع إلى الأعلى، من العدم إلى الوجود، من الأنا إلى الآخر، من الضيق إلى الواسع، من المنغلق إلى المنفتح، من الداخل إلى الخارج. هذا الخارج حيث الشمس سرمدية، ساطعة، براقة، يسرق منها الشاعر، على شاكلة بروميثيوس، النار المُخَلصة لينثرها حزمة مضيئة تنير سبيل التائهين، وومضات مشرقة تضيء روح المعذبين. إنها النار التي تُولَد منها شتى الفنون، لتحرر الإنسان من سطوة التبعية، وتخرج فكره من هيمنة الثابت والساكن، وتطلق العنان لطاقاته المتفجرة، خارج قدسية النموذج. الشاعر بروميثيُ النزعة، الشيء الذي يُمَكن شعره من النزوح نحو الكائن والوجود، بعيدا عن كل سلطة تحنيطية، وإن كان ذلك على حساب ذاته وجسده اللذين يهديهما قربانا ليُمْنَحَ الإنسان النور والنار والحرية.
ناقد ومترجم مغربي
محمد برزوق