مضى اليوم أكثر من شهر على إجراء الانتخابات العامة في تركيا، ولم يكلف رئيس الجمهورية، بعد، رئيس الوزراء المستقيل أحمد داوود أوغلو، أو أياً من قادة الأحزاب الأخرى، بتشكيل حكومة جديدة، ليبدأ بعد ذلك بمشاوراته مع الأحزاب الممثلة في البرلمان للوصول إلى ائتلاف حكومي قابل للحياة. وفي الغضون تواصل حكومة داوود أوغلو عملها المعتاد كأن شيئاً لم يكن، أو كأن الانتخابات لم تجر والبرلمان الجديد لم يتشكل وفقاً لتوازنات سياسية جديدة جبت ما قبلها. من ذلك تعيينات إدارية تجاوزت ستمئة منصب في وظائف الدرجة الأولى، وفقاً لأخبار الصحف التركية، تمت بعد استقالة الحكومة، وما يعنيه ذلك من تعزيز هيمنة الحزب الحاكم على الجهاز الإداري للدولة.
يربط المحللون المعارضون هذا التباطؤ المقصود، بنوايا الرئيس أردوغان الذي يريد الوصول إلى إجراء انتخابات مبكرة على أمل أن تعيد نتائجها الغالبية المطلقة لحزب العدالة والتنمية، مما يمكنه من تشكيل حكومة حزبية صافية مرة أخرى، تكون منسجمة مع توجهاته وطموحاته. فقد أعلن الرجل عن أجندته للفترة اللاحقة على العملية الانتخابية، مستثمراً ما يتيحه له الدستور من صلاحيات، وفقاً للترتيب التالي: انتخاب رئيس مجلس النواب، ثم تشكيل ديوان المجلس، وأخيراً التكليف بتشكيل الحكومة. مع أن السير في المسارات الثلاثة معاً ممكن، فضل الرئيس كسب مزيد من الوقت كما يقول معارضوه لإنضاج قرار الانتخابات المبكرة على نار هادئة. فكلما طال الزمن ازداد تشكيل أي حكومة ائتلافية صعوبة بسبب غياب روح التوافق بين الأحزاب السياسية الرئيسية. الأمر الذي انكشف في غضون الشهر المنقضي من خلال استعجال أحزاب المعارضة في رسم سيناريوهات ائتلافية محتملة.
بل أكثر من ذلك، تفسر المعارضة الدعوة التي وجهها أردوغان لدنيز بايكال ـ الرئيس السابق لحزب الشعب الجمهوري ـ صبيحة انتهاء الانتخابات، على أنها جزء من خطته لإفشال أي مسعى ائتلافي. فقد أوحى للرجل بتأييد ترشيحه لمنصب رئيس البرلمان، متسبباً بذلك بظهور خلافات داخلية في حزب المعارضة الرئيس. وكان السيناريو الذي روج له الإعلام الموالي، كما بات يسمى، أن تتشكل الحكومة من ائتلاف العدالة والتنمية والشعب الجمهوري، فيكون رئيس الوزراء من الأول ورئيس البرلمان من الثاني (بايكال). هذا الوضع يعني فوز الرئيس السابق للحزب العلماني بموقع أعلى من أي وزارة قد يحصل عليها رئيس الحزب الحالي كمال كلجدار أوغلو، وهو سبب كافٍ لبذر الشقاق الداخلي في الحزب المعارض.
بالمقابل لم يبد رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي أي حماس للدخول في أي حكومة ائتلافية، وبصورة خاصة مع العدالة والتنمية، مفضلاً احتلال مقاعد المعارضة الرئيسية في البرلمان. فقد وضع شروطاً مسبقة للتحالف مع الحزب الحاكم، تعتبر تعجيزية من قبل هذا الأخير: وقف عملية الحل السلمي للمسألة الكردية التي يسميها «عملية التحلل» أو تفكيك تركيا؛ وإعادة فتح قضايا الفساد التي تم طمسها من قبل الحكومة؛ وانتقال أردوغان من قصره الجديد الفخم إلى القصر الرئاسي القديم في تشانكايا. كما رفض بشدة اقتراحاً قدمه إليه رئيس الشعب الجمهوري كلجدار أوغلو بتشكيل حكومة برئاسة بهتشلي، تتمثل فيها أحزاب المعارضة الثلاثة معاً. فالحزب القومي المتشدد يرفض أي تحالف يكون فيه خصمه الرئيسي حزب الشعوب الديموقراطي (الكردي).
هذه الحساسية نفسها هي ما دفع بحزب الحركة القومية لدعم مرشح العدالة والتنمية إلى رئاسة البرلمان مقابل مرشح الشعب الجمهوري الذي دعمه الحزب الكردي. وبذلك ضمن أردوغان رئاسة البرلمان لحزبه السابق، فضلاً عن كونه معروفاً بقربه من أردوغان. وفي الوقت نفسه قطع الطريق أمام أي احتمال لتوافق أحزاب المعارضة ضد الحزب الحاكم.
ويراهن أردوغان على إرهاق الرأي العام بهذه التجاذبات السياسية، كما بإشغاله بتسريبات مقصودة عن نية الحكومة المستقيلة بتوغل الجيش التركي داخل الأراضي السورية وإقامة منطقة عازلة تمتد من جرابلس إلى إعزاز. وعلى رغم رفض قيادة الأركان لهذا التوغل المحتمل، وفقاً لتلك التسريبات، واصلت المؤسسة العسكرية إرسال تعزيزات كبيرة إلى خط الحدود في المنطقة المذكورة، تعبيراً عن الاستعداد والجاهزية الكاملة لتنفيذ العملية فور صدور الأمر من رئيس الحكومة. وفي البعد الاقليمي – الدولي لهذه التعزيزات يمكن اعتبارها بمثابة الاستعداد لمرحلة ما بعد التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران، بمعنى إرسال رسالة إلى الإدارة الأمريكية لتأخذ المصالح القومية لتركيا بنظر الاعتبار في أي تفاهمات محتملة بين واشنطن وطهران.
أما الرسالة الموجهة للرأي العام الداخلي، وهي ما يعنينا في هذا التحليل، ففحواها القول إن العدالة والتنمية ما زال هو الحزب الحاكم، على رغم نتائج الانتخابات. وأن بوسع رئيس جمهورية قوي أن يعوض عن شبه الفراغ الحكومي بحيث يستطيع رئيس حكومة تصريف أعمال اتخاذ قرار بحجم عملية عسكرية في سوريا.
يمكن القول إن «خطة أردوغان» للذهاب إلى انتخابات مبكرة، كما تسميها الصحافة المعارضة، قد نجحت إلى حد بعيد. فحتى قبل عملية التكليف تم إفشال جميع سيناريوهات الحكومة الائتلافية من قبل أحزاب المعارضة نفسها. المؤشر اليومي الذي ينشره الصحفي المعروف أحمد هاكان، عن توقعاته، في عموده اليومي في جريدة «حرييت» أصبح يشير إلى احتمال 30 في المئة لتشكيل حكومة ائتلافية بين العدالة والتنمية والشعب الجمهوري، و70 في المئة احتمال الذهاب إلى انتخابات مبكرة، مع صفر احتمال لأي سيناريو ائتلافي آخر.
من المحتمل أن نسبة السبعين في المئة هذه سترتفع باطراد، في الأيام والأسابيع القليلة القادمة، بعد التكليف وبداية المشاورات.
٭ كاتب سوري
بكر صدقي