في السابع عشر من حزيران/يونيو المنصرم انبرى جوش إرنست السكرتير الصحافي للبيت الأبيض مصرحاً بأن الولايات المتحدة «تشعر بالقلق جراء الحكم ذي الدوافع السياسية بإعدام الرئيس مرسي وبعض الأشخاص الآخرين، وتبدي تحفظها حول الإجراءات القانونية المتعلقة باعتقال وإصدار أحكام بحق رموز سياسية في مصر، مع تحفظها على الكيفية التي تمت بها الإجراءات القانونية بحق أولئك الأشخاص، والتي تمت بمخالفة مطلقة لكل المعايير الدولية، والتي تشكل تهديداً يدمر الاستقرار الذي ينشده جميع المصريين».
ويحق لقارئ الخطاب السالف أن يتساءل عن كيفية انعتاق نظام الحكم العسكري في مصر من وزر مخالفة إرادة البيت الأبيض، والانطلاق بسيرورة لا يحكمها عقال لدفع عجلة الزمن في المجتمع المصري إلى ما قبل ثورة 25 يناير، والعودة إلى توطيد أركان الدولة الأمنية العسكرية في مصر، وقدرات تغولها على الإنسان المصري، وحريته، وقوته، وأحلامه بالعيش الكريم، نظراً للعلاقة المرهفة التي تحكم علاقة قيادات الجيش المصري منذ اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة في العام 1978 التي حولت دفة تدريب وتسليح الجيش المصري إلى الإدارة الأمريكية، ورهنت صياغة استراتيجيات الجيش، وعقيدته الحربية لرضا الإدارة الأمريكية نفسها التي أعطت لنفسها حق تمكين ذلك الارتباط بقوة المعونة الأمريكية للجيش المصري المقدرة بحوالي مليار ونصف المليار دولار أمريكي، وما ارتبط بها من فساد وإفساد الدولة الأمنية العميقة الذي شمل المجتمع المصري عمقاً وسطحاً، ولم يكن الجيش المصري كجزء طبيعي من المجتمع المصري ليفلت من مفاعيله.
و لكي لا يضطر القارئ الكريم إلى إجهاد عقله النقدي التحليلي في استنباط أسس تلك المعادلة التي يبدو عدم استقامتها ظاهراً، فإن التفسير يفصح عن نفسه في تقرير قدمته إدارة الرئيس أوباما في الثاني عشر من أيار/مايو الماضي في خفوت إعلامي مطلق، ودون أن تطلب من أي أذرعها الإعلامية التصريح به في مؤتمراتها الصحافية شبة اليومية، حيث أوضح التقرير بأن «التقييم العام لمسار الحريات والديموقراطية في مصر هو سلبي»، وعلى الرغم من ذلك يصل التقرير في خلاصته إلى أنه «على الرغم من سلسلة الانتهاكات وتفكيك بنية المجتمع والحريات في مصر، فإن مصر ذات أهمية استراتيجية لمصالح الولايات المتحدة، وهو ما يقتضي عدم الانتقاص من المساعدات العسكرية السنوية للجيش المصري».
لم تنحز الإدارة الأمريكية لصالح الشعب المصري في ثورة 25 يناير إلا ليقينها بقدرتها على استبدال بيدق عسكري ظل قادراً على القيام بدوره الوظيفي في تحجيم إمكانيات الشعب المصري مثل مبارك، بآخر من أولئك الذين ارتبطوا وخلال سنوات طويلة عتاداً، وتدريباً، وتسليحاً بشبكة إدارة المصالح الأمريكية في المنطقة وعالمياً. وهو الذي حدث عند التفاف قيادة الجيش المصري على إرادة الشعب الثورية، فحرمته من توطيد شرعيته الثورية، وتأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على أهداف الثورة المصرية، وليس شرعية المجلس العسكري، فكان ما كان من مسار لم تتوقف سلسلة الكوارث المتلاحقة التي جلبها إلى اللحظة المعاشة راهناً.
وبالفعل لم تفلح الكيانات الثورية في نقل طموحاتها من حيز الممكن إلى حيث الواقع، لعدم تمكنها من تشخيص نفسها من خلال كيان سياسي عياني مشخص قادر على خوض غمار اللعبة السياسية وفق الضوابط التي حددتها إدارة المجلس العسكري، متقاطعاً ذلك مع تنطع تيارات سياسية متفاوتة الإرادات والأهداف في تقديم نفسها كممثل للحامل الاجتماعي للثورة المصرية ، ولم يكن يجمعها سوى إيمانها بالإسلام السياسي مصدراً للإيديولوجيا والممارسة، وانعدام خبرتها في الإدارة الفعلية لمجتمع مستنزف، و مدنف مضعف، جراء عقود الفساد والإفساد الطويلة التي كابدها. وتحقق في نهاية المطاف ما أراده العسكر في مصر من تحييد الفئات الثورية التي قادت ثورة 25 يناير، ومن والاها من تيارات الإسلام السياسي عقيدياً أو براغماتياً، وتصوير انقلاب 30 يونيو العسكري بأنه إرادة شعبية هي في جوهرها تشخيص لتوجع المجتمع المصري من انسداد الآفاق لحياة طبيعية كان ينشدها في ثورة 25 يناير.
وفي ذلك السياق يحضر تبرير وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر لدور الولايات المتحدة في الانقلاب على حكم سلفادور الليندي في تشيلي في العام 1973، بأن ميل بلد ما للذهاب في طريق مخالف للمصالح الأمريكية بسبب «عدم وعي شعب ذلك البلد» هو «فيروس» لابد من القضاء عليه وإلا أصابت «عدواه» المنطقة، وهو الاستئصال الذي تم القيام به فعلاً بانقلاب عسكري دموي مهول، مدبر أمريكياً، أنتج حكماً عسكرياً فاشياً، ومئات الآلاف من الضحايا المباشرين وغير المباشرين. وها هو التاريخ يعيد نفسه من خلال المنظار الأمريكي إلى مصر التي انتصار ثورتها وقود لا ينضب لشحذ همم الثائرين في غير موضع عربي، وكل المقهورين من العرب من المحيط إلى الخليج الذين يتوقون للالتحاق بهم، وهو ما سوف يهدد المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في استمرار تموضع المنطقة العربية كمنجم للموارد الأولية الرخيصة، وسوقاً لتصريف نتاجات الاقتصاد الأمريكي، وتجمعاً من المقموعين المقهورين الذين لا يمكن لهم تهديد استقرار الاستطالات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية على الحدود الشمالية الشرقية لمصر المكلومة، وهنا يكمن أس التراجيديا التاريخية وفصل المقال.
٭*كاتب سوري مقيم في لندن
د. مصعب قاسم عزاوي*