تأتي من هنا وهناك، في كل وقت لكن ليست من مكان واحد.
هل هي قريبة؟
بعيدة معظم الأوقات، ماعدا في إحدى المرات جاءت في المنزل المجاور فأخذت معها ابن جيراننا وأمه. طارت أطراف الأم إلى دارنا ورأسها إلى المنزل الآخر. في حينها ظننت أنها في ساحة منزلنا، تصور، قفز سريري إلى السقف وانخلعت النافذة وتهشم الباب وحين صعد والدي إلى غرفتي كي يطمئن وجدني على هذه الحال.
كيف صعد إليك ولم يكن يومها في المنزل؟
لا أدري كيف صعد، لكن مايجري هذه الأيام لا يستوعبه العقل….اسمع، في إحدى المرات ذهبت إلى الجامعة، مع أن صديقاتي أشرن من بعيد أن الأشجار والجسر والنهر التي كنا نمر بهما من خلال طريقنا لم تعدا هناك، قالت صديقاتي، لن ترين تلك الأشياء مرة أخرى وأنك لن تعرفي المكان والحياة التي هناك. لم أفهم حينها. عندما مررت لم أفهم، كنت في مكان آخر وزمان لا أعرفه. كيف لي أن أدخل إليه إذن، وكما تعلم لا قدرة لي على الدخول، كيف لفتاة وحيدة أن تدخل إلى هناك حيث لا أشجار، لا طرقات. حين وضعوني في الطريق رحت أبحث عن الجسر، أين الجسر، عدت إلى الماضي، إلى المكان الذي اتذكره. حين أكون وحيدة أتذكره، جاء إلي من وحي الخاطر بعد غياب دام سنوات، وها أنا أسأله، كيف تحضر بعد سنوات من العذاب والذكرى، لم يقل إنه حضر مع أنه حضر ومر، شممت مروره وكانت رائحته تملأ صدري فأخذ يعذبني ذلك الصدر بخفقانه. إن سمحت إن سمحت بإعداد قهوة قهوة واخزة ومنشطة علني أقول كل ما تريده.
سوف أعد ما تحبينه.
أحبها، لكنني متكاسلة، أحاول إلا أنني غير قادرة. لا أستطيع أن أفعل شيئا، إنه لشيء غريب حقا.
اجلسي لبضع دقائق فالجلوس يحرك الدم ويدفع المخيلة كي تصحو وإلا فإنك كما لو نائمة النومة الطويلة.
ليست نومة بل يقظة أخرى أستطيع فيها أن أرى العالم من فتحة ضيقة، لكنه العالم على كل حال، هذا ما يواسيني، فضاء في الخارج، أجواء تظهر على نحو لم أكن أعرفه فيما مضى، شيء غريب، فأنا أشعر الآن برائحة السقف الذي يميل فوقي، هل تشعر كما أشعر؟
أرفعي الخصل عن عينيك وامسحي الكحل…
لا يوجد كحل ولا خصل، ألا تشم الذي أشمه؟
ربما مازالت الرائحة مستوطنة فيك، اشربي الماء وسوف أعد القهوة التي تحبين!
قهوة، هل لدينا قهوة، كأنني نسيتها، نسيت أشياء أخرى أكثر أهمية من القهوة!
كنت تحبينها ليلا نهارا، ركوة القهوة على النار ثم تطفح وتنطفئ.
السقف يتحرك فوقي، أسمع قضيضه وسحجه للأشياء التي تحمله.
هاتي يدك، سأساعدك على النهوض.
خذها إن استطعت!
أين هي، لا أرها.
أراك وقد أمسيت مثلي! لا تأخذ بيدي، فقط اسمع ما أقول.
في المرة الأخرى كنت في طريقي إلى نفس الجامعة، لم يكن هناك جامعة لكنها القديمة التي كانت في طريقي، ولم يكن هناك «طريقي» لكنني كنت في الطريق إليها، وإذ رأيت الشاب الذي أحببته، كان هناك، بين الشجر على جانب الأشياء، طبعا ينتظرني، لكنني لم ألمحه، أكملت طريقي الخالي وإذ بصوت طائرة متوقفة فوق، صوتها حين أسمعه يجعلني أقفز من نومي، أخرج من الدار نحو الشارع خوفا أن تطير أطرافي، تطير في بهو المنزل المجاور وهنا وهناك. أما في الشارع فهو أمان، هكذا قلت لنفسي، فهم لا يقصفون الشارع، لكن الحظ التعس هو الذي جعلني أمشي وفوقي طائرة، تقول الصديقات لا تذهبي، فهي لم تعد هي. مررت من خلال مسيري بمنزل مفتوح، أهله في القبو، أو تحت. كانت الرائحة منتشرة، رائحة أم مع أولادها، ورائحة رجل مصلوب إلى عمود في زاوية الشارع، ثمة في الأعلى، أعلى جسده، لوحة سوداء كتب عليها اسمه ولماذا مات. لم يكن هناك هواء في الشارع- تصور إن كنا نستطيع أن نحيا من دون هواء، لو أن السماء ترفع الهواء لدقائق فقط، إلا أنه لم يكن هواء، وعلي أن أتابع المسير إليها، هي ليست هناك لأنني برأس عنيد كنت أتخيل أنها هناك، يجب أن تكون، وإلا فما حاجتي من الرحلة إن لم تكن هناك.
اللوحة فوق رأسه؟
لا، اللوحة فوق جسده، رأسه بين قدميه!
رحت أعبر تلك الزاوية، في ذهني كان الجسر وبعده كما تعلم تأتي الجامعة. كنت أتخيله دوما هناك، ينتظرني، حين أدخل البوابة يكون خلف مكان ما، خلف شجرة أو خلفي كي يظهر أمامي فجأة مناديا اسمي. فينتفض جسدي، أصير أعبر تلك الأزقة المتوارية، وأصبح فراشة كما في قصائد شعراء لم يختبروا الحب. آه، ما ألذ المذاق، لقد اقشعر جسدي وسرت فيه النشوة، هل طفحت، بدأت أستنشقها الآن. هل بزغت الشمس، وفتحت الستائر. تعال، لماذا تقف بعيدا!
خذ يدي
وأعبر إليك المتاهة
خذها، مد يدك واشبك الأصابع واجعلني أقوم.
ثم توقفت نظراتي، ليس بسبب الظلمة التي غطت الأمكنة، بل بسبب كسلي وتقاعسي. لم أدفع نفسي على الرؤية، أغلقت عيني وجعلت أحلم وأنا تحت. الأشياء التي اسمعها تتحرك رويدا رويدا كما في حال جبل في أحشائه فوهة راكدة وفيها أجنة آن اوانها، ستخرج عما قريب. أغلقت عيني وأنا أسمع صراخي مع تلك الأشياء ـ لو أن السماء ترفع الهواء لخمس دقائق لمات العالم، العالم السمج. لمات أوباما، مات بشار، مات خامنئي، لمات نتنياهو، لو أن، لكن تمهل، لم كل ذلك والعالم في الأعالي لا يدري إن كان في الأسفل ثمة مجازر، موت، لا حياة؟! علي المضي وحث القدم للوصول إلى المكان الذي لولا كسلي لوصلت إليه منذ سنين.
قاص سوري ـ ميتشغان
حسين سليمان