في العشرين من شباط/ فبراير، من العام الماضي، وفي وسط اليمن، كان كل شيء يسير كما يشتهي الحاضرون: العروس بثوب زفافها، وموكب العرس المكوّن من إحدى عشرة سيارة ينطلق بفرح نحو المستقبل البسيط الطيب، فجأة تنطلق نحوه أربعة صواريخ من طائرة أمريكية بلا طيار، فينتهي كل شيء، الحياة والمستقبل، ويتحوّل خمسة عشر إنسانا إلى أشلاء متفحّمة.
ليس هذا مشهدا من فيلم سيُنتج بعد عام، رغم أن فيلم (قتل جيد Good Kill) ممهور منذ البداية بجملة واضحة تشير إلى اعتماد الفيلم على أحداث حقيقية.
أهمية هذا الفيلم، تكمن في أنه امتداد متطوّر لفكرة «الأخ الأكبر» في رواية جورج أورويل الشهيرة «1984»، ولكنه معزز، أيضا، بمسحة من كابوسية كافكا وعبثية بيكيت.
يكتب المخرج أندرو نيكول فيلمه بنفسه، فهو واحد ممن يسعون إلى قول شيء فيما يحدث، غير مكتفين بأفكار الآخرين التي يتم تبنيها حينما تُنتج الأفلام، بل يريد أن يقول أفكاره.
وهو يقدم هنا فيلما مُحْكما، مكثفا، رغم ضيق حيز (مسرح العبث) الذي يتحرك فيه ممثله إيثان هوك، الذي يلعب دور الطيار (الأرضي) توماس إيغان، الممسك بذراع توجيه الطائرة عن بعد، وممارس (القتل الجيد)!
في الفيلم لا نرى أي موكب زفاف، لكن مزارعا يُقتل، ووزيرا يُقتل مع أطفاله النائمين، وحين يطلّ الصباح وتمضي الجنازة الجماعية للمقبرة، يكون الطيار الأرضي ساهرا لإكمال مهمته: قتْل المُشيعين في الموكب السائر نحو المقبرة، وهو يصر على تحويل العالم إلى مقبرة أوسع.
لا نريد المضي طويلا في الحديث عن هذا الفيلم، وهو يستحق، لكن ما يؤرق، أن مسألة التحكّم بحياة الدنيا، وحياة الآخرة، باتت العنوان العريض لزماننا هذا، وما نشهده اليوم هو مجرد بدايات لكابوس طويل، تقوم بكتابة السيناريو له وإخراجه، قوى العلم طليقة اليد، وقوى الظلام أيضا. أحيانا نصحو من مطالع هذا الكابوس، وننتبه، لكن المدهش في الأمر أننا نعود إلى النوم ثانية!
ليس (القتل الجيد) من منظورهم هو كل شيء، بانطلاقه من فكرة مفادها (دفع الضرر) قبل حدوثه، بل هو امتدادات هذه الفكرة وتوسّعها، بل تغوّلها، على قاعدة أن الشر هو ما يتربص وسيتربص بك، في كل مكان، إن لم يكن هناك قتلة جيدون!
الطائرات تحوّم في الفضاء لتقتل من سيقتلونك! رغم أنهم بعيدون عنك آلاف الأميال، وكذلك الأمر في حياتك اليومية، إذ عليك أن تقبل باستباحة كل خصوصياتك (لحمايتك) من الخطر المحدق بك، الخطر الذي لا تعرف من أين يأتي.
(المكان مراقب بالكاميرات)، إنه تحذير واضح لا لبس فيه. وكلما دخلت مكانا عليك أن توقِّع، بصورة ضمنية، معلنا موافقتك على هذا، وحين تتحرك في الشارع، عليك أن توقِّع معلنا موافقتك أيضا على وجود هذه الغابة من العيون الزجاجية التي تتابع أدق خصوصياتك ببرود مميت… وفكرة الكاميرا، كما هي فكرة الطائرة بلا طيار، يظل مرجعها الأساس، هو المعنى الكامن في وظيفة القناص. فهذا القناص يراقبك، يضعك في مُصلّب منظار بندقيته، يحركها باتجاه رأسك، قلبك، سواء كنت طفلا أو رجلا أو امرأة أو قطة، زعيما سياسيا أو متسولا! وليس بين زوالك أو حضورك سوى إبهام يتحسس الزناد.
يسأل الناس، حين يسمعون اليوم بحادثة دهس أو قتل أو سرقة: هل كانت هنالك كاميرات؟! وباتوا ينسون تماما، أنهم أصبحوا يقبلون بالكاميرات بديلا عن وجود الأمن الحقيقي، والقيم الحقيقية، والجمال الإنساني الحقيقي، والحرية الحقيقية؛ كما أن على الكاميرا أن تلعب اليوم دور رجل الأمن اليقظ! والمجتمع السّوي في تعايشه، والأفكار العميقة التي تمجد الحياة البشرية وتصونها والقوانين العادلة!
.. كما يوجد أشرار يجب التخلّص منهم عن بُعد، يوجد قتلة يسعون بكل ما لديهم لإقناع البشر، هناك، وهنا، بأنهم قتلة جيدون، وقد كانت هذه هي رسالة الطغاة لشعوبهم في كل الأزمنة، الطغاة الذين عملوا دائما دون كلل على إقناع رعاياهم بالقيام بدور القتلى الجيدين، سواء تم قتلهم فعلا، أو تم انتزع الحياة من أراوحهم بفوبيا الرعب المستتر، أي السمّ البطيء، فالبشر أشرار! وأنت بالتأكيد واحد منهم!
لقد حوّلوا القتل إلى مهنة يمارسونها بانضباط شديد، يذهبون بعدها إلى بيوتهم لتفقُّد أطفالهم، وإقامة حفل شواء للأصدقاء، ويجب أن تفهم أنت جيدا أن اغتصاب حياتك، وانتهاك تفاصيلها، مهنة ايضاً… مجرد مهنة.
إبراهيم نصر الله