المسلسلات الرمضانية… من الإخوان واليهود إلى تنظيم «الدولة»

حجم الخط
5

فيما تتواصل مسلسلات حقيقية من الدم والدمار في اكثر من بلد عربي، احتفظت المسلسلات الدرامية الرمضانية بهيمنتها كالعادة في هذا الشهر الكريم، على الرغم من ان الواقع المأساوي العربي اصبح يفوق مخيلة اي مؤلف، مهما كانت قدرته على الابداع.
واذ تستحيل متابعة هذا الكم الهائل من الاعمال الدرامية التي تتصارع على كعكة الاعلانات الضخمة، تحولت المشاهدة احيانا الى نوع من التعذيب الذهني والبصري. وتميزت اعمال قليلة بمستوى فني راق، وبعثت برسائل سياسية وحقوقية واجتماعية لا يمكن تجاهلها، بينما غلب كثيرون الاعتبارات التجارية على الفنية.
ولعل «حارة اليهود» كان الأكثر اثارة للجدل، في وسائل الاعلام العربية والاسرائيلية، اذ يتطرق لقضية حساسة لم تنل حقها سواء سياسيا او اعلاميا او فنيا، وهي الملابسات التي صاحبت رحيل اليهود من مصر في منتصف القرن الماضي.
وبغض النظرعن نقاط الضعف الدرامية، فان المسلسل سعى بوضوح الى الاسقاط السياسي على الواقع، ومسايرة الاجواء في مصر حاليا، اذ عمد الى تحميل جماعة «الاخوان» مسؤولية ترحيل اليهود من مصر ابان النكبة في العام 1948، الى جانب التركيز على اعمال العنف التي ارتكبتها الجماعة في اواخر الاربعينيات وابرزها اغتيال رئيس الوزراء فهمي النقراشي، بغرض تكريس اتهامهم بالتورط في الهجمات التي تشهدها البلاد حاليا. وربما استفاد المسلسل من ذلك على صعيد التسويق ووقت البث، الا انه في الحقيقة ارتكب خطأ تاريخيا فادحا بل وخطيرا ايضا، حيث ان هجرة اليهود المصريين لم تشكل ظاهرة قبل منتصف الخمسينيات، في اعقاب ماعرف بفضيحة لافون، وهي مؤامرة اسرائيلية كشفتها الحكومة المصرية استهدفت اجبار اليهود على الرحيل. وتكمن الخطورة في ان اتهام المسلسل للاخوان بترحيل اليهود يؤيد عمليا الرواية الصهيونية للاحداث، ومن ثم المطالبات بتعويضهم بعشرات المليارات. اما الواقع فان الغالبية العظمى من اليهود المقيمين في مصر حينئذ كانوا اما من المتمصرين او الاجانب، اما ابناء البلد فلم يتجاوزوا 11 الفا، وان الشركات اليهودية الكبرى في مصر كانت تحمل جنسيات اجنبية (ومنها شيكوريل الفرنسية على سبيل المثال) قد تم تعويضها بالفعل في اطار تعويض الاجانب.
اما على الصعيد الحقوقي، لم تستطع القيود التي تعانيها حرية التعبير في مصر حاليا منع ظهور انتقادات للانتهاكات الحقوقية التي ترتكبها الشرطة في العديد من المسلسلات ومنها، «بعد البداية»، «لعبة ابليس»، «استيفا»، «ذهاب وعودة»، «حق ميت»، وغيرها. وفي مسلسل «بعد البداية « تحديدا يظهر بوضوح كيف ان «الجهاز الأمني» يمارس التعذيب ضد مواطن بسيط لمجرد الاشتباه في انه ربما ساعد الصحافي المطلوب على الهروب. وعندما يشكو المواطن لمدير الجهاز من أن «كرامته الانسانية محيت تماما» يرد عليه بتحذيره من ان يذكر انه رآه اصلا. ثم يبدو في مشهد آخر كيف يتعامل ضباط ذلك «الجهاز الرهيب» وكأنهم فوق القانون، بل وكيف لا يتردد احدهم في توجيه التهديد لضابط شرطة عادي يفترض انه زميله.
اما على الصعيد الاجتماعي فقد بالغت بعض المسلسلات في مشاهد العري والتدخين والمخدرات، سعيا الى اكبر قدر ممكن من المتابعة، حتى ان نقابة الممثلين المصريين نفسها اصدرت بيانا غير مسبوق اكد» أن بعض الأعمال تعرض مشاهد العري بصورة وقحة وغير مبررة درامياً وعلى طريقة الكباريه، مما يفسد الذوق العام، ويخلط الإبداع المتحرر في أذهان الجماهير بالإثارة الرخيصة مما يشوه جهود الفنانين المتحررين أصحاب الرسالة ويساوي بينهم وبين الباحثين عن الشهرة والمال».
ودعت النقابة أعضاءها إلى «مقاطعة هذه الأعمال وعدم التورط في إفساد الذوق العام وتشويه الخطاب الاجتماعي». الا انه من غير المرجح ان تلقى هذه الدعوة اذانا صاغية، وسط هذا الصراع المحموم .
ونجح مسلسل «تحت السيطرة» بشكل خاص في تقديم معالجة درامية مهمة لقضية انتشار المخدرات التي تعد احدى الكوارث الاجتماعية في البلاد العربية، وهي تزداد خطورة في ظل ظاهرة ضعف الدولة وانشغال الشرطة في قضايا الامن السياسي. ولا يخلو المسلسل من اشارات سياسية مثل انهيار التعليم الذي يسمح لفتاة في السادسة عشرة ان تتغيب عن مدرستها وتتجه الى الادمان دون علم الاسرة المفككة، وكذلك الفساد الذي يستخدمه المحامي للافراج عن شاب ضبط متلبسا بحيازة المخدرات.
اما كوميديا، فقد نجح «سيلفي» للممثل السعودي ناصر القصبي في تسجيل هدف في مرمى الارهاب، حيث عرض باسلوب ساخر الجرائم البشعة لتنظيم «الدولة» الذي رد بتهديدات بقتل بطل المسلسل. وهذا يكشف مدى غضبه من الاستهداف الدرامي الناجح لـ «صورة الرعب» التي تعد السلاح الرئيسي لذلك التنظيم الارهابي.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية