بغداد ـ «القدس العربي»: حينما دخلنا عليه في مشغله في المدرسة الثانوية المركزية في بغداد، وجدناه جزءاً من منحوتاته المنتشرة في أرجاء «الغرفة» وحوله عشرات اللوحات المنجزة، أو التي في قيد الإنجاز. هذا المشغل الذي رأى أحداث أكثر من ثلاثين عاماً من عمر منذر علي، ولم ير أيضاً تغييراً ولو بسيطاً حتى في بابه الخشبي القديم، بسبب عزلة فناننا وابتعاده عن الساحة الفنية، لينجز أعمالاً خاصة تحمل روحه ولمسته الفنية. غير أنه في الوقت نفسه سعى من خلال عمله كمدرس للتربية الفنية، إلى اكتشاف مواهب جديدة في هذا الفن، ورعايتها حتى تخرجها على يديه.
علي؛ وعبر سنوات طويلة من عمله، تمكن من أن ينجز منحوتاته الخاصة، من خلال سبر أغوار الماضي، وتطلعه لإنجاز نماذج معاصرة في الوقت ذاته، فمزج بين النحت السومري والآشوري، والمدارس الحديثة في هذا الفن، ليقدم أعمالاً مغايرة.
غير أن عزلته الطويلة قدمت له الكثير، فحياته مع الخشب قدمت له الكثير، حتى أن هذه العزلة غيرت من فلسفته تجاه هذه المادة وجعلتها طرية، إلى حدِّ تمكنه من تشكيلها كيفما يشاء… عن الحركة الفنية، وعزلته الطويلة سألناه:
■ طوال المدة السابقة كنت مبتعداً عن الاضواء، ومنزوياً في مشغلك، لم تقم معارض خلال أكثر من ثلاثين عاماً. هل هذهِ العزلة، عزلة فنية، أو نفسية، أو لها أبعاد فلسفية معنية؟
□ أعتقد أن العمل الفني حينما يكتمل على نار هادئة، وبعد مراجعة ونقد مستمرين، يكون ذا قيمة فنية عالية، لهذا عملت في الظل في سبيل أن أضع بصمتي على العمل الفني ويكون هذا العمل لمنذر علي ولا يحمل أي إحالات إلى الآخرين. ولهذا لم أقم أي معرض خلال المدة الماضية، مع إلحاح الكثير من الأصدقاء حول هذا الموضوع. أنا أحبو في عملي، ولا أتسرع في إنجاز أي عمل، لأن طبيعة النحت تحتاج إلى صبر طويل ومراجعة دقيقة، والنحات الذي لا يمتلك صبراً لا يمكن أن ينجز ما هو سامٍ في الفن. كنت أسعى لإدخال البهجة والسعادة في نفوس الآخرين لأن هذا ديدن الفن وهمُّ الفنان.
كما أنني أمارس الرسم إضافة إلى النحت، وأعمل عكس ما يقول خوان ميرو بأنه يلتجئ إلى النحت لإتمام الرسم، لكنني ألتجئ إلى الرسم لأضفي على منحوتاتي جمالية خاصة.
■ هل هذا الارتباط بين الرسم والنحت نابع من إتمام التخطيط الأولي للعمل النحتي، ومن ثم إكماله نحتياً؟
□ كلا، بشكل آخر تماماً… أعطيك مثالاً واضحاً، لديك جواد سليم مارس الفنين وأجاد في كليهما. في العمل النحتي تجتمع الفنون جميعاً، كالموسيقى والمسرح. عندما تنضح فكرة عملٍ نحتي لدي، ولا أستطيع تنفيذه بالشكل المطلوب، التجئ إلى الرسم وأنفذه، مبتعداً بذلك عن تجسيمه. هنالك أفكار لا أستطيع إنجازها في النحت، وأخرى لا أستطيع إنجازها في الرسم، لهذا أحاول أن أمارس الفنين، وكما ترى فإن أعمالي في الرسم أكثرها مشاريع نحتية.
■ كيف تنظر إلى الرسم والنحت كلا على حدة، ومن ثم ارتباطهما بشخصية فنان واحد؟
□ دائماً أنحى منحى النحت قبل الرسم لأنه الهم الأول لدي، لأن النحت جزء متمم لشخصيتي… وأنا مقل جداً في الرسم، لأنه مرتبط بالنحت عندي، وأنا أفكر بالنحت أولاً، ومن ثم الرسم.
■ نشاهد أن أعمالك في الرسم تحمل بغداديات جواد سليم نفسها، فهل هذا التأثر بجواد سليم بالرسم فقط أم بالنحت أيضاً؟
□ هذا صحيح، فأنا بغدادي، وعشت في أزقة بغداد القديمة ومعجب، بل متأثر بجواد سليم… وكما يقول الفنان إسماعيل فتاح الترك: «لا يصبح الفنان فناناً ما لم يمر تحت جدارية جواد سليم». فأنا ألجأ إلى البغداديات لكي أكثف النزعة العراقية لدي، وأبرز قيم الموروث أمام فناني العالم الكبار، خصوصاً الذين ينحتون الخشب.
■ قلت إن النحت على الخشب فيه صعوبة كبيرة، لكن المعروف أن الصعوبة تكمن في المرمر والحجر، كيف تفسر ذلك؟
□ تكمن الصعوبة في الخشب أنه هو الذي يحددك، ويحدد عملك، بالحجر تستطيع أن تبتدئ من أي مكان، في حين يجب أن تسير في الخشب بـ(اتجاه الماء)، وهي خطوط الطول والتقاطعات في القطعة الخشبية، فلا تستطيع التحرك حسبما تريد. كما أنني عملت بالحجر كثيراً، ولكن إصابتي بالحساسية من التراب جعلتني أبتعد عنه. الآن تمت صناعة آلات حديثة لنحت الحجر، وتستطيع من خلالها إنجاز عملك بسهولة وبأسرع وقت، لكن هذه الآلات لا تستطيع التعامل مع الخشب.
■ والعمل بالبرونز؟
□ البرونز لا تضمن نتائجه، لأنك تكمل التصميم، ومن ثم ينفذه عمال لا تضمن ما تريده من خلالهم.
■ مَنْ مِن الفنانين استطعت أن تستفيد من منجزه وتتأثر به؟
□ أكثر من شدني إليه هنري مور، وتأثرت به، كذلك تأثرت بآرميتاج، لأني بدأت بالاطلاع على هنري مور منذ أيام كلية الفنون الجميلة، وتعلمت من نماذجه الكثير.
■ كيف تنظر إلى واقع النحت العراقي الآن؟
□ النحت العراقي فن متقدم جداً على المستوى العالمي، فهناك نحاتون كبار استطاعوا أن يقدموا منجزاً كبيراً ويؤثروا على مستوى الفن العربي أو العالمي… ولدينا نحاتون شباب يمثلون واقعاً نحتياً رائعاً، فالنحت لدينا متطور جداً، خصوصاً ونحن امتداد لأول نحاتي التاريخ من سومريين وبابليين وآشوريين، لذا وجب علينا أن نكمل هذه المسيرة الطويلة، واستطعنا أن ننجح إلى درجة متقدمة.
في الحقيقة، أسعد كثيراً عندما أرى فناناً شاباً يعمل بجد ويقدم كل ما لديه من أجل الفن العراقي.
■ وهل حاولت الاستفادة من المنحوتات السومرية والبابلية؟
□ بالتأكيد، صنعت أعمالاً كثيرة مستلهماً بذلك الآثار العراقية، خصوصاً عمل «اللبوة الجريحة» بعد ما رأيته في لندن، فقمت بعمل تخطيطات كثيرة لها، وعندما عدت إلى بغداد أعدت رسمها من جديد، ومن ثم قمت باستثمارها في منحوتات كثيرة.
غير أنني استفدت أكثر من النحت الآشوري، لأنه نحت متطور جداً وعلى مستوى عالٍ من الرقي، فعملت على المزج بين منحوتات العراق الأثرية والبغداديات، فظهرت عندي أشكال جديدة وعالية القيمة. في الوقت نفسه حاولت المزج بين المنحوتات الأوروبية والبغداديات فظهرت أيضاً أشكال مميزة تحمل الروحيتين: الشرقية والغربية.
صفاء ذياب