د. أحمد بوعزّي يتشكل المشهد السياسي في تونس من جديد بعد انتخابات المجلس التأسيسي منذ سنة والتي دخلتها الأحزاب الجديدة أو المتضخمة بعد ثورة 14 كانون الثاني/يناير التي افتتحت الربيع العربي. وكان هروب الرئيس التونسي المخلوع رفع الحظر على النشاط السياسي فانخرط المواطنون بالآلاف في الأحزاب القديمة وبُعثت عشرات الأحزاب الجديدة وتقدّمت إلى انتخابات أعضاء المجلس التأسيسي التي أجمع الملاحظون على نزاهتها وشفافيتها رغم الهنات الجزئية. وأصيب اليسار والعلمانيون وبقايا حزب التجمّع المنحل بخيبة أمل كبيرة بسبب حصاد حزب النهضة الإسلامي أكبر نسبة من الأصوات، مكنتها من الحصول على 40′ من المقاعد، وعملت على تكوين ائتلاف للحكم يضم حزبية علمانيين هما حزب التكتّل وحزب المؤتمر.ومنذ ذلك الوقت شهد الحزبان اللذان يكونان الترويكا الحاكمة انقسامات داخلية فقد خرج جزء كبير من 12 نائبا من حزب المؤتمر وكوّنوا حزبا جديدا كما غادر حزب التكتّل عديد الإطارات حتى أصبح مهدّدا بحل كتلته البرلمانية لعدم حصولها على النصاب أي 10 نواب. أمّا الحزب الديمقراطي التقدّمي فقد شهد أكبر انقسام في قياداته رغم محاولته تكوين ائتلاف للمعارضة جعل منها أكبر كتلة برلمانية بعد كتلة النهضة أي 31 نائبا. وانقسمت كتلة مجموعة قائمات ‘العريضة الشعبية’ إلى درجة أنها أصبحت غير قادرة على الحفاظ على كتلتها البرلمانية وذهب أعضاؤها لتكوين كتلتين ونيّف مع ثلاث أحزاب مختلفة لم تكن موجودة في المجلس التأسيسي بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011.وقد ساهم ظهور حزب جديد في بعثرة عديد الأوراق، وهو حزب نداء تونس الذي يرأسه الوزير الأول السابق وثاني رئيس حكومة انتقالية بعد الثورة والسياسي المخضــــرم الذي عايــش كل الحكومات منذ خمسينات القرن الماضي السيد الباجي قايد السبسي. وهو حزب يضم في قياداته مسؤولين سابقين عملوا مع مؤسسه في الحكومة التي كان يرأسها، ورأى فيه العديد من أعداء الإسلاميين طوق النجاة للتخلّص من النهضة، خاصة من بين ‘البورقيبيين’ ومنخرطو حزب التجمّع المنحل العدوّ اللدود لحزب النهضة. وسوّق له بعض اليساريين والليبراليين بحجّة أنه لا يمكن الحصول على أغلبية في الانتخابات القادمة المزمع تنظيمها في 23 حزيران القادم دون توحّد كل خصوم حزب النهضة وأعداؤها في قوائم موحّدة.ثم تكونت في آخر الصيف جبهة جديدة تضم أحزاب أقصى اليسار القديمة والجديدة والقوميين وهي تعارض هذا الطرح لأنها ترى في انتصار حزب نداء تونس رجوع حزب التجمّع المنحلّ إلى الحكم وإعادة الدكتاتورية ‘الدستورية’ التي انتفض ضدها الشعب منذ 17 ديسمبر 2010. ويشاركهم في هذا التحليل عديد الليبراليين والعلمانيين والديمقراطيين الذين يرون في حزب النهضة خصما وليس عدوا، وهم يخشون من أن يؤدّي الاستقطاب الثنائي للحياة السياسية إلى اختزال القوى السياسية في حزب النهضة وأعداء حزب النهضة.وتجمّع جزء من القياديين والشباب المنشقّين عن الحزب الديمقراطي التقدّمي مع حزب الإصلاح والتنمية وشخصيات وطنية بينهم وزير من حكومة السبسي وشخصيات مهنية قيادية في هيئة المهندسين وهيئة العدول المنفذين ومناضلين قوميين وعدد من أعضاء المجلس التأسيسي، لكنهم قرروا البقاء ضمن الكتلة الديمقراطية خاصة وأن زعيم المجموعة السيد محمد الحامدي هو الذي يرأسها. وسيبعثون في ندوة صحفية سيعقدونها يوم الخميس 8 نوفمبر 2012 في تونس حزبا جديدا تحت اسم ‘التحالف الديمقراطي’ وهم يأملون أن يكوّنوا أكبر جبهة وسطية لا تعادي الإسلاميين ولا القوميين ولا العلمانيين لتنجح في الانتخابات القادمة بنسبة تمكّنها من الحدّ من الدكتاتورية الناشئة والدكتاتورية العائدة على حدّ السواء.الائتلافات المعتبرة حاليا هي أولا الترويكا الحاكمة التي تدور في فلك النهضة وثانيا حزب نداء تونس الذي يغري بعض القوى المعادية للتيار الإسلامي وبقايا التجمّع المنحل الذي يرى أن الانخراط فيه سيعيده للسلطة وثالثا الجبهة الشعبية التي تجمع أقصى اليسار والشيوعيين والقوميين ورابعا التحالف الديمقراطي الذي يتصف بكونه ديمقراطي اجتماعي يحافظ على هوية تونس العربية الإسلامية لا يتّفق مع الليبرالية المفرطة للائتلافيين الرئيسيين. لكن عندما ستقترب الانتخابات ستطغى الحسابات وربما سنرى تحوّلا في التحالفات بتموقع كل حزب حسب توجهاته السياسية وحسب احتمال حصد الأصوات. جامعي من تونس