سمرا فرحات يقول الجرجاني: أرى الناس من دانَهم هان عندهم ..ومن أكرمته عزةُ النفس أُكرما. هذه المقولة هي أول ما تبادر إلى ذهني وأنا أرى صورَ وزير الدفاع الفرنسي السابق والعضو الحالي في مجلس الشيوخ الفرنسي ‘جيرار لونغي’ وهو يُشهر ذراعه بحركة بذيئة في وجه الجزائريين كرد على مطالبة وزير المجاهدين الجزائري فرنسا الإعتراف بجرائمها الإستعمارية في الجزائر.مطالبة الوزير بالإعتذار والإعتراف جاءت بمناسبة إحياء الجزائر للذكرى الثامنة والخمسين لإندلاع ثورة الاول من نوفمبر 1954، الثورة التي هزمت أعتى قوة إســــتعمارية حينَها والتي قضت على بقايا حلم فرنسي بجزائر فرنســــية، لم يستسغها وزير الدفاع الفرنسي في عهد الرئيس ‘ساركوزي’ ونضح إناءه بما فيه، وهو إناء كلّ اليمين الفرنسي المتطرف.نعم نريد كجزائريين أحرارا قدّمنا الغالي والنفيس في سبيل إسترجاع حريتنا ‘إعتذارا رسميا ‘ وتعويضاتٍ على كل الأذى الذي لحِق بنا على مدى 130 عاما من الإحتلال ومازلنا نعاني من تبعاته إلى اليوم، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل تملك الدولة الجزائرية والقائمين عليها من الأوراق ما يسمح لها بالضغط على فرنسا لتقديم الإعتذار المنشود؟. يؤسفني أن أقول أن كل المعطيات السياسية والإقتصادية والثقافية في الجزائر لا تؤشر على ذلك ,,, فالجزائر ورغم عمر إستقلالها البالغ خمسين سنة مازالت تسبح في فلك فرنسا سياسيا واقتصاديا وثقافيا، ويكفي أن لفرنسا أذرعا طولى أخرى في الجزائر غير الذراع البذيئة التي أشهرها ‘ لونغي ‘ والمتمثلة في رموز حزب فرنسا الذين يُمسكون بمراكز القرار في البلاد ،وهو أمر لم يعد مخفيا على أحد، وهم ومن والاهم من عمل على إفشال مشروع ‘قانون تجريم الإستعمار’ في البرلمان، أما إقتصاديا فإن ستين في المئة من وارداتنا من فرنسا في حين تُحجم فرنسا عن شــراء الغاز الجــــزائري الذي يبعد بضع عشرات الكيلومترات جنوبا عبر خطيْ أنابيب إسبانيا وإيطاليا وتتجه شرقا نحــــو روسيا لتلبية إحتياجاتها من الغاز، ناهيك عن إحجامها عن الإستثمار في غير مجال الطاقة في الجزائر رغم كل الدعوات التي وجهها المسؤولون الجزائريون لها والتسهيلات المقدمة والأبواب المفتوحة، التي تقابلها سياسة وصد الأبواب في وجه الإستثمارات العربية وبالتحديد الخليجية منها، ومع ذلك لم تأبه لنا فرنسا.أما ثقافيا فحدث ولا حرج، مازالت المؤسسة التعليمية الجزائرية مرتبطة ً ومتشبثة أيما تشبث باللغة الفرنسية التي تشهد تراجعا كبيرا أمام اللغة الإنجليزية ‘ لغة العلوم الحديثة ‘ ولا تخلو إدارة رسمية أو غير رسمية من متحدثي هذه اللغة التي لا تنفع إلا للإيتكيت. ومسؤولونا الذي يحمل جلُّهم الجواز الفرنسي والجنسية َ الفرنسية ومازال بعضهم من أمثال وزير الخارجية ‘مراد مدلسي’ يحز في نفسه أننا لسنا فرنسيين، يخاطبون الشعب باللغة الفرنسية،و حتى مؤسسة التلفزيون الرسمي لا تكلف نفسها مشقة ترجمة تصاريحهم.مازال الفرنسيون ودولتُهم ينظرون إلينا كجزائريين نظرة دونية، ولم ينسوا أبدا أنهم خرجوا من الجزائر يجرون أذيال الهزيمة ،وهم الذين تخلوا عن جميع مستعمراتهم الإفريقية في سبيل أن تظل الجزائر فرنسية، ومازالوا يترصدون لنا الأخطاء ويتشفون لأننا بحسبهم لسنا أهلا لحكم بلادنا بأنفسنا وهو ما ترجمه مؤخرا الوثائقي الذي أنجزه الصحفي ‘هيرفي بورج’ المقرب من دوائر القرار الجزائرية وعرضته القناة الفرنسية الخامسة والذي حمل عنوانا مغرضا ‘L’Algerie ê L’ ‘preuve du pouvoir’ ‘الجزائر أمام إختبار السلطة’، لا ننكر أن الوثائقي تناول خمسين سنة من الإستقلال بكل موضوعية وحرفية، ورصد َ الصراع على السلطة الدائر في الجزائر منذ صيف 1962 مرورا بالعشرية السوداء التي كانت في الأصل صراعا على السلطة أيضا، كما لا يمكن غض الطرف عن أن القائمين على الدولة هم من منحوا الفرصة لهذا الصحفي وغيره بأن يقيّموا أداءهم الهزيل على مدى خمسين عاما، وأنهم هم من تسببوا في وضع داخلي كارثي سحق َ المواطن الجزائري وأهدر كرامتَه على مسمع ومرأى من الأمم ،وهم من منح هذا الفرنسي اليميني المتطرف الفرصة للإقدام على مسح ما تبقى من كرامتنا بالأرض، أو بعد كل هذا الدّنو، نستغرب هواننا عندهم؟ ومع ذلك لا نتوقع أن تتحرك شعرة واحدة في رؤوس مسؤولينا وحاشيتهم، اللهم ان يستغلوا الحادثة في خطابات جوفاء ستصم اذاننا طيلة حملة الانتخابات المحلية المرتقبة.’ مذيعة وصحفية مقيمة في دبي