د. عصام نعمان في ملعب الازمة السورية لاعبون كثر. بعضهم موالٍ وبعضهم الآخر معارض . المعارضون، بشتى تلاوينهم، كانوا في صدارة احداث الاسبوع الماضي . ففي الدوحة ترأس رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني جلسة افتتاح مؤتمر المعارضين التي حضرها وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو، الامين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي، الامين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزباني وممثلون للولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا.المعارضون فريقان : الاول، الاكثر عدداً، تمثّل بـِ ‘المجلس الوطني السوري’ برئاسة عبد الباسط سيدا. الثاني، الأوزَن سياسياً، تمثّل بالنائب السابق رياض سيف ومناصريه، والمدعوم بسفير امريكا ‘السابق’ في دمشق روبرت فورد.عشية المؤتمر، انتقدت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون بشدة ‘المجلس الوطني السوري’ ووصفته بأنه غير فعال ويديره معارضون منفصلون عن واقع الاحداث في سوريا، وخاضع لهيمنة الاخوان المسلمين. خلال المؤتمر، حاول رياض سيف تسويق صيغة تقضي بإنشاء ‘هيئة للمبادرة الوطنية’ مؤلفة من 60 شخصية سياسية، تنبثق عنها حكومة مؤقتة من عشرة تكنوقراطيين لإدارة ‘المناطق المحررة’. سيف دعم مبادرته بإدعاء حصوله على وعود بالإعتراف الفوري من حكومات ‘اصدقاء سوريا’ فضلاً عن دعم مالي وفير منها.المجلس الوطني فسّر مبادرة سيف بأنها محاولة لتهميشه بتقليص تمثيل ‘الاخوان’ في الهيئة القيادية المقترح إنشاؤها، واستطراداً بالسيطرة على المجلس لاحقاً بالتعامل مع حكومة المنفى المزمع إقامتها.ردّت جماعة الاخوان المسلمين على فريق سيف فورد بتوسعة الهيئة العامة للمجلس من 300 الى 420 عضواً، وبإقامة امانة عامة تضم 41 عضواً، بينهم ما لا يقل عن 23 من أعضاء الجماعة واصدقائها.في حومة الصراع، فقدت وجوه ليبرالية عدة عضويتها او نفوذها في المجلس الوطني. جورج صبرا، احد الوجوه البارزة في ‘اعلان دمشق’ وممثل حزب الشعب الديمقراطي، اخفق في العودة الى الامانة العامة. غير ان ‘الاخوان’ اعادوا انتخابه للمكتب التنفيذي ومن ثم لرئاسة المجلس لتغطية سيطرتهم عليه . رئيس المجلس السابق برهان غليون استنكف عن الترشّح للامانة العامة . كما لوحظ غياب تمثيل المرأة والاقليات الامر الذي ادى الى انسحاب اكثر من 20 عضوا من المجلس، هذا بالاضافة الى عدم مشاركة ‘المجلس الوطني الكردي’ و’لجان التنسيق المحلية’ و’لجان الحراك الثوري’ في المؤتمر.كل هذه الملابسات لم تحبط مساعي سيف وفورد من اجل التوصل مع قادة المجلس الى صيغة للعمل المشترك تقضي بتشكيل هيئات داخل سوريا تنبثق عنها حكومة انتقالية مؤقتة. بذلك يكون لرياض سيف ومجموعته دور في ادارة ‘المناطق المحررة’ وفي الحوار، اذا ما تقرر، مع اهل النظام.الاميركيون حرصوا على تأمين دور لسيف ولغيره من الليبراليين ممن سيكون له دور في ما ستقرره ادارة اوباما في المستقبل المنظور. ذلك ان الولايات المتحدة كما فرنسا وبريطانيا من جهة وتركيا والسعودية وقطر من جهة اخرى مدعوة، في ضوء التطورات السياسية والميدانية المتسارعة، الى حسم المقاربة المراد اتخاذها حيال الازمة إما بتكثيف العنف لإضعاف النظام او بتعزيز الحوار مع روسيا والصين وايران لإيجاد مخرج مقبول مها .ماذا في الميدان ؟الواقع ان الميدان بات يعني معظم المحافظات السورية . ذلك ان مجموعات المعارضة المسلحة استطاعت، لاسيما في مناسبة انعقاد مؤتمر الدوحة، القيام بسلسلة هجمات وتفجيرات ومناوشات شملت دمشق وريفها، ودير الزور ومحيطها، وادلب ومعرة النعمان وجوارها، وحلب وريفها المتصل بالحدود مع تركيا . في هذا السياق، اضطرت القوات السورية الى الانسحاب امام مئات المسلحين الذين قدموا من تركيا واستهدفوا بلدة رأس العين ذات الغالبية الكردية في محافظة الحسكة، وذلك بعد ساعات على اعلان مسؤولين اتراك انهم طلبوا من حلف شمال الاطلسي نشر صواريخ ‘باتريوت’ قرب الحدود مع سوريا. غير ان الجيش السوري تمكّن من طرد المجموعات المسلحة من وادي الضيف قرب معرة النعمان .تصعيد المعارضة المسلحة لهجماتها مقرونةً بطلب مسؤولين اتراك نشر صواريخ ‘باتريوت’، فَتَح باب التكهنات حول ما تعتزم الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون القيام به في المستقبل المنظور، كما حمل بعض الخبراء الإستراتجيين على الإرتياب بأن تركيا وحلفاءها العرب المساندين للمعارضة السورية ربما يعتزمون العودة الى فكرة اقامة منطقة عازلة في شمال سوريا تكون منصة لحكومة سورية انتقالية تتولى ادارة شؤون ‘المناطق الحرة’ وتنسق عمليات المجموعات المسلحة في مختلف مناطق البلاد . الى ذلك ، يبدو ان لنشر صواريخ باتريوت ‘فوائد’ اضافية بحسب الخبير الإستراتيجي رياض قهوجي : اولاها، تأمين منطقة حظر جوي في شمال سوريا من دون الحاجة الى نشر دفاعات ارضية في الداخل . ثانيتها، توفير غطاء دولي لتركيا عبر إشراك حلف ‘الناتو’ في اي عمل عسكري قد تتورط فيـه داخل سوريا .ثالثتها، تأمين دفاع فاعل ضد ترسانة سوريا من الصواريخ البالستية. رابعتها، تشجيع عشرات الآف اللاجئين السوريين في المخيمات التركية على العودة الى قراهم وبيوتهم . غير ان نشر صواريخ ‘باتريوت’ لا يكفي لتحقيق ‘الفوائد’ المتوخاة إلاّ اذا كان مقروناً بقرارٍ نافذ بإطلاقها على المقاتلات السورية العاملة على مقربة من المنطقة الممتدة اكثر من 800 كيلومتر على طول الحدود السورية-التركية. فماذا ستكون التداعيات ؟ .من الواضح ان القيادة السورية وسّعت مؤخراً من استعمال سلاحها الجوي لكبح المجموعات المسلحة ولا سيما في محافظات حلب وادلب ودير الزور وريف دمشق. ولا شك في ان تعطيل دور سلاح الجو السوري يؤدي، على الاغلب، الى ترجيح كفة المعارضة في ميزان القوى العاملة على الارض الامر الذي يعني اعتماد خصوم النظام الخيار العسكري سبيلاً الى حسم الصراع، داخلياً واقليمياً. فماذا تراه يكون موقف النظام وحلفائه الاقليميين والدوليين؟.يمكن إستخلاص الجواب مما قاله الرئيس الاسد، عشية مؤتمر الدوحة، في مقابلة مع قناة ‘روسيا اليوم’: ‘اعتقد ان كلفة الغزو الاجنبي لسوريا، لو حدث، ستكون اكبر من ان يستطيع العالم بأسره تحمّلها، لأنه اذا كانت هناك مشاكل في سوريا، خصوصاً اننا المعقل الاخير للعلمانية والإستقرار والتعايش في المنطقة، فسيكون للغزو اثر الدومينو الذي سيؤثر في العالم من المحيط الاطلسي الى المحيط الهادئ وتداعيات ذلك على سائر انحاء العالم . لا اعتقد ان الغرب يمضي في هذا الإتجاه، لكن اذا فعل، فلا يمكن لاحد ان يتنبأ بما سيحدث بعده’.صحيح انه لا يمكن التنبؤ، لكن يمكن التوقّع والتحسّب. ذلك ان اميركا واوروبا اللتين تعصف بهما ازمات مالية واقتصادية خانقة، لا يمكن ان تنخرطا في حرب جديدة، شاملة ومدمرة، عشية إنسحاب قواتهما الاكيد من افغانستان، وغداة فوز اوباما بولاية ثانية واستعجاله التعاون مع منافسيه الجمهوريين بغية الخروج من حمأة الازمة الاقتصادية المستفحلة من جهة وتوفير الاجواء والشروط الكفيلة بالتوصل الى تسوية مع ايران بشأن برنامجها النووي من جهة اخرى .من يحسم الازمة السورية ؟ لا ‘الاخوان’ ولا الميدان بل اميركا واوروبا وروسيا والصين وايران وذلك بتمكين الاطراف السوريين من الجلوس الى طاولة الحوار، ليعود القرار الى الشعب السوري.’ كاتب لبناني