د. خالد سليمان أشعر بالحزن والقلق بسبب التساؤلات المؤرقة التي تعصف برأسي وتلح عليّ منذ فترة، ولا أملك في ضوء سعي لإحترام عقلي أن أطردها أو أن أعرض عنها، فأكون بذلك قد خنت نفسي قبل أن أخون أولئك الذين يثقون في كلامي. تلك التساؤلات باتت تتمحور عموماً حول سؤال مرعب واحد يقول: هل وصل الإخوان إلى الحكم في مصر، وربما في غيرها من أقطار الربيع العربي، تحت مظلة رعاية أمريكية؟. للأسف الشديد، عديدة وقوية هي المؤشرات التي تدفع المرء للإجابة بالإيجاب، أولها وأهمها الظروف الغامضة وغير المفهومة التي قادت إلى وواكبت فوز (مرسي) ممثل الإخوان في انتخابات الرئاسة في مصر. ففي أيام الانتخابات، وقبيل إعلانها بقليل، كانت المعطيات تؤكد أن جهوداً جبارة تبذل من جانب فلول نظام مبارك للبقاء على قيد الحياة، عبر العمل الحثيث والمكثف من أجل فوز العسكري أحمد شفيق، أحد الأبناء البررة لذلك لنظام، والمعبرين عن توجهاته. كان سماح فلول نظام مبارك، وفيهم المجلس العسكري المتحكم بالسلطة الفعلية، بفوزالإخوان، أقدم الأعداء التقليديين للنظام، يعني عملياً الاستسلام، بل الانتحار، ولا يمكن فهم ذلك إلا بافتراض أن ضغوطاً خارجية جبارة ــ أمريكية في المقام الأول ــ قد مورست على المجلس العسكري لإجباره على عدم المضي قدماً في طريق تفويز شفيق. ومن يتذكر، يتذكر تماماً كيف كنا جميعاً نضع أيدينا على قلوبنا قبل إعلان نتائج انتخابات الرئاسة في مصر، فقد كانت الانتخابات تخضع تماماً للجنة رئاسية لا راد لقراراتها، أثر عن معظم أعضائها احتراف التزوير، وكانوا قد عُينوا جميعهم في مناصبهم القضائية الرفيعة لخدمة توجهات نظام مبارك وحمايته. وحتى الآن ما نزال نتذكر مماطلة تلك اللجنة في إعلان النتائج، والأكثر إثارة للريبة أن النتائج عند إعلانها جاءت تظهر أن هناك تقارباً شديداً بين أصوات مرسي وشفيق، بل إن العديد من الشخصيات السياسية كانوا قد صرحوا حينها بدهشتهم الشديدة، لأن الأخبار المؤكدة كان قد وصلتهم بإعداد العدة على كل المستويات لإعلان فوز شفيق قبل ساعات من إعلان النتيجة. فما الذي حدث حتى قررت اللجنة الرئاسية المعروفة بقراراتها التزويرية التاريخية ــ كقرار استبعاد بعض أقوى المرشحين كحازم أبو إسماعيل وخيرت الشاطر وأيمن نور وغيرهم ــ الإعلان عن فوز مرسي نزولاً عند إرادة الشعب المصري كما زعمت!؟ في غمرة الفرح بفوز مرسي واستبعاد شبح شفيق وما يمثل، لم أحاول أو ربما تجنبت تنغيص فرحتي بالسعي إلى إيجاد إجابة عن ذلك السؤال، لكنني كنت أعرف في أعماقي بأن السؤال ما يزال معلقاً هناك يحتاج إلى إجابة، وقد جاءت الأحداث سريعاً لتقدم تلك الإجابة.كان الجيش، ممثلاً بالمجلس العسكري، يسيطر سيطرة مطلقة على مقاليد الأمور في مصر، حتى بعد فوز مرسي، حتى تولدت القناعة لدى الكثيرين في مصر وخارجها، باستحالة تزحزح الحكم العسكري الذي جثم على كاهل البلاد أكثر من ستين سنة، وأن ذلك الحكم سيظل الآمر الناهي، وأن أي رئيس مدني منتخب سيظل مجرد ظل شاحب له. ولكن فجأة، وبعد أسابيع قليلة من انتخابه، نرى مرسي، الرئيس الإخواني، الذي لم تترَك صفة من صفات الضعف إلا ألصقت به من جانب خصومه الكثر، ينقض فجأة على المجلس العسكري، فيقرر إقالة أبرز قياداته، وإعادة تشكيله بصورة كلية، دون أن يتفوه المجلس بنت شفة احتجاجاً على الإطاحة المأساوية به.يحتاج المرء إلى أن يكون مغفلاً كبيراً حتى يصدق بأن المجلس العسكري بكل هالته وهيلمانه قد تنازل طوعاً عن سلطاته، وما ارتبط بها من مصالح عملاقة بالمليارات، وبتلك الصورة المذلة، دون أن يكون قد خضع لضغوط قهرية لا قبل له بمقاومتها، ومن ذا الذي يملك القدرة على فرض مثل تلك الضغوط إلا أمريكا، وما أدراك ما أمريكا؟ المتابع للسير الذاتية للقادة العسكريين في مصر، وفي معظم أقطار الوطن العربي التعيس، يجد أنهم جميعهم قد التحقوا سنوات عديدة من أعمارهم في دورات عسكرية متقدمة في الولايات المتحدة الأمريكية، وخلال تلك الدورات، تبدأ المخابرات الأمريكية بلف حبال التتبيع والإلحاق على أعناق تلك القيادات، عبر توريطها وابتزازها بفضائح أخلاقية ومالية، تظل سيفاً مسلطاً على أعناقهم للأبد، يمكن إشهاره ببساطة عند الحاجة. وقد ظهرت تلك الحاجة عندما تم إجبار المجلس العسكري على تمرير فوز مرسي، ومن ثم الرضوخ لقرار إقالته المهين.هنا قد يتساءل سائل، وما مصلحة الولايات المتحدة في الضغط على المجلس العسكري، حليفها التاريخي القديم، من أجل التنازل عن السلطة والسماح بوصول الإخوان إلى سدة الحكم!؟ ألم يكن من الأفضل لأمريكا أن تستمر في التعاون مع ذلك المجلس ومن يدور في فلكه من أتباع نظام مبارك الساقط، بدلاً من الاضطرار إلى التعامل مع الإسلاميين!؟ للأسف الشديد، ليس الأمر بتك الدرجة من البساطة، حتى لا أقول السطحية، فما يهم الولايات المتحدة الأمريكية في المقام الأول والأخير أن لا تتضرر مصالحها في المنطقة، حتى لو وصل الشياطين الزرق إلى الحكم في هذه الدولة العربية أو تلك، ويبدو أن أمريكا قد وصلت إلى اقتناع قوي بأن مصالحها في مصر والمنطقة، ومصالح حليفتها المدللة ‘إسرائيل’، لن تتضرر جدياً إذا ما وصل الإخوان إلى الحكم، وهذا ما يفسر سكوتها، بل دعمها لوصول الإخوان إلى السلطة، في مصر وغيرها. في الوقت نفسه، ما كان لأمريكا أن تغامر باشتعال مصر أكبر وأهم دولة في المنطقة، ومن ثم تعريض مصالحها إلى أخطار جدية لا يمكن التنبؤ بطبيعتها وآمادها، فيما لو سمحت لشفيق ممثل النظام العسكري بالفوز والتشبث في السلطة، وهي ترى ملايين المصريين، وعلى رأسهم الإخوان، يقفون في ميادين التحرير ويتهيأون للانتفاض في حال عودة الحكم العسكري أو استمراره.ظل لدي شك في صحة استنتاجاتي الموجعة تلك، إلى أن رأيت قبل أيام سفير مصر الجديد يقدم أوراق اعتماده للثعلب بيريز رئيس عصابة الكيان الصهيوني ويتبادل كؤوس الراح معه، عندها تبلور اقتناعي بأن الإخوان في مصر وغيرها لم يصلوا إلى السلطة إلا بعد ن تعهدوا بجعل العلاقات مع الكيان الصهيوني طبيعية ومنسابة، على المستوى الرسمي على الأقل، فهي لم تكن جيدة يوماً على المستوى الشعبي. وعندما نتذكر تلك التعديلات المخجلة التي أقحمت على بعض المناهج الدراسية في مصر، التي تضمنت فرض نصوص من العهد القديم (الكتاب المقدس لليهود)، نزداد اقتناعاً بأن إخوان مصر قد قرروا مقايضة السلطة بموقفهم من ‘إسرائيل’.أرجو أن لا ينبري أحد إخوان الأردن لمغالطة نفسه والدفاع العاطفي عن الإخوان في مصر، فإخوان الأردن على الطريق نفسه، ولو عرضت عليهم السلطة جدياً فيما أرى لقبلوها، ولأسقطوا ‘إسرائيل’ وخصومتها من حساباتهم. فحتى الآن لم تكن معارضة الإخوان في الأردن للسلطة مرتهنة بموقف السلطة من كيان العدو، إذ لم نسمع يوماً بأن الإخوان قد قالوا بأنهم لن يشاركوا في الحكم إذا لم يتم قطع العلاقات مع ‘تل أبيب’، وكل مشكلتهم مع السلطة كانت وما زالت في قانون الصوت الواحد أو في غيره من القوانين والقضايا الداخلية، التي لا علاقة لها بالصراع العربي- الصهيوني.بعد أن يصل المرء إلى مثل هذه القناعات المحبطة، لا يملك إلا أن يصاب بحالة من اليأس المطبق. فبصراحة شديدة، لم أعد أثق بقدرة الإخوان أو صلاحيتهم لقيادة مشروع الإصلاح، إذا كان النموذج المصري والتونسي والمغربي سيتكرر في الأردن. فالإخوان في تلك البلدان لم يظهروا أي قدر من الجدية في الاتجاه نحو إعادة دولهم إلى حياض الإسلام بعد تخبطها لعقود طوال في ظلمات أسوأ تطبيق ممكن لأقبح نماذج العلمانية وأكثرها تشوهاً، كما بدت مواقفهم من العدو الصهيوني بعد وصولهم إلى السلطة مواقف متخاذلة مشبوهة، والمبادرة إلى إعادة السفير المصري دون وجود مبررات قوية أو واضحة أقوى مؤشر على ذلك. أما الإصلاحات الداخلية التي يمكن أن يقوم بها الإخوان، فليست، على أهميتها، هي الغاية الأهم، فإذا كان الموضوع موضوع إصلاحات والسلام، دون تماس مع قضايا الهوية والعقيدة وتطبيق الشريعة، فيمكننا أن نحضر خبراء في الإصلاح السياسي والاقتصادي من أمريكا أو كندا أو ألمانيا حتى يصلحوا لنا أمورنا، وكفى الله المؤمنين شر القتال.’ كاتب عربي مقيم في كندا