قراءة أولية في حال مصر والعرب وظرفهم الراهن

ها نحن في مصر ومن حولنا باقي العرب نرتد إلى بدائيتنا الأولى، ونعود قبائل وجماعات وطوائف وفرق؛ تزيد فيهم الفُرقة، وترتفع بينهم العداوة وتتصاعد معها وتيرة التناحر والاقتتال والإغارات المتبادلة على بعضهم البعض. وهم لا يعدمون وجود مناصرين، ومن يمدهم بالطاقات الشابة والمال والسلاح والعتاد والتوجيه والتعبئة والحشد، والخطاب التحريضي، ولغة الفتنة؛ وقد انصاع لها كثيرون، وصارت قدرا أحتل مكانة المبادئ المقدسة التي لا تقبل المراجعة، وبدأ كثير من المواطنين يشعرون بوطأة الحال، وهم يتابعون ما يجري من استهداف مواطن القوة المصرية؛ خاصة العسكرية بعد أن تلاشت القوة العراقية، واستنزفت القوة السورية، وتشظت الدولة الليبية وصارت «كانتونات» بأحجام وقوة المليشيات، ونفوذ جماعات الدم القبلية والمذهبية العديدة، وعلى نفس المنوال تتجه الحرب الأهلية اليمنية وما فيها من انقسام باد في صفوف شعب وجيش ذلك الجزء العزيز من بلاد العرب.
وبداية من زلزال تونس.. وبركان مصر الذي تلاه؛ لم تخرج علينا مبادرة جادة تبحث وتغوص في أعماق ما جرى، وتقيس نتائجه وتقترح العلاج المناسب.. وترك الأمر لدوائر التحكم الصهيو غربية، وهي فرصتها في التحريض والإمداد بالسلاح وتدبير المقاتلين «المرتزقة» وتدريبهم، وتزويدهم بالخبرة والمشورة العسكرية والسياسية. وذلك يمكن هذه الدوائر من التدخل المباشر وغير المباشر؛ بمختلف المسميات وشتى الطرق وتنوع الحجج.. بداية من التدخل الإنساني مرورا بالغزو وصولا إلى إدعاء توفير الحرية وانتهاء بحقوق الانسان(!!).
وليس في مقدور هذه القوى تحويل ما تدعيه من مبادئ وأهداف وشعارات إلى حقائق على الأرض، ولديها خبرة طويلة وتراث ممتد في التسويف والتزييف وفي إفراغ أنبل الأهداف والمبادئ والشعارات من محتواها ومضمونها. وتحشد لذلك جيوشا جرارة من العصابات، وعناصر المهام القذرة، والمعاونين والصبيان والطابور الخامس وخدم تحت الطلب.. يقدمون كل ما هو مصبوغ بالدم ومُعمَّد بلهيب النار في كل أرض تطأها أقدام هذه القوى.
وفي الوقت الذي تزداد فيه أغلب نظم الحكم العربية بطشا بمواطنيها؛ تبدو أنها لا تدرك ما يحيطها من مخاطر، وما يجري لها وحولها من دمار؛ بالحروب، والفتن، وسفك الدماء، وتقسيم الدول، وتفكيك المجتمعات، وتزكية النزاعات، وبث الفرقة، وليس من بين هؤلاء الحكام من لا يعرف أن الهدف هو تمكين الدولة الصهيونية على أرض فلسطين من التمدد والاتساع وتعزيز دورها الوظيفي في التحكم في رقاب ومصائر سكان المنطقة، وعقاب وترويض من يعصى أمرها ويخرج عن طوعها.
وقد تعقد موقف هذه النظم كثيرا بعد ثورتي تونس ومصر.. وقد فاجأتا الجميع وجاءتا خارج سياق المخططات الموضوعة، ودون مراعاة للحسابات المعتادة في هذا الزمن الرديء.. وكان سبيل المنظومة الصهيو غربية هو الإسراع بالعمل على اختراق هاتين الثورتين.. وتهيئة الظروف للجم الحراك التونسي المصري وتعطيل وصوله إلى أهدافه؛ في الاستقلال الوطني، والحرية السياسية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والوحدة الوطنية.. وتم اللجم بالفعل، ومكنت القوى القديمة من العودة، وسارت عكس اتجاه الثورتين، وتولت تشويههما والحد من تأثيرهما، وحصرهما داخل دوائرها.
وضمن هذا السياق نفهم التدخل الإيطالي الفرنسي الأطلسي الخليجي في ليبيا، وكأن المنطقة كانت على موعد مع الدم والنار والموت، فتبددت أحلام الاستقرار والأمان والتقدم. وصار تحرك جماعات العنف المذهبية ضروريا لتسهيل تنفيذ المخططات الموضوعة للمنطقة.. فهي مع التقسيم، وتعمل على إسقاط الدولة، وتستحل ثروات المواطنين.. ومع أن التمعن في المشهد، رغم شدته ووحشيته يعطي إنطباعا بأن المعارك الدائرة معارك أخيرة تخوضها المنظومة الصهيو غربية؛ ولا يمكن العمل على كل هذه الجبهات المتعددة في وقت واحد.. ولا تستطيع وهي مثقلة في مصاعبها المالية والاقتصادية ثم تستمر في هذا الوضع.. ولولا ضعف العرب واضطراباتهم ما استطاعت إنجاز شيء حقيقي على الأرض.. ولم يبق لها إلا تقدمها العلمي والتقني الفائق.
ومعروف أن المعارك الأخيرة هي الأشرس والأكثر عنفا ودمارا.. وتُوظف منجزات العلم لأغراض الحروب والقتال والمصادرة على الحقوق الإنسانية والاجتماعية والسياسية والقانونية للشعوب. والتقدم العلمي مفيد وله جاذبية وبريق؛ لكنه يلعب دورا في استعادة القيم الاستعمارية والعنصرية القديمة.. وهو الذي ساهم في انتشار أسلحة الدمار الشامل، التي تحصد وتدمر البشر والشجر والحجر.. ونتاجها واضح في زيادة المقابر الجماعية، واتساع مساحات الخراب، ومضاعفة أعداد اليتامى والثكالى والمشردين واللاجئين، ويتكرر ما حدث في نهايات الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، ورغم حجم العنف والدمار والقتل عجزتا عن الاستمرار والحفاظ على أوضاعهما وامتيازاتها الامبراطورية.. وجاءت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومعها موجة تحرر وطني عالمية أغرقتهما في مياه السويس!.
ولنستدعي مرة أخرى زلزال تونس، وما أعقبه من بركان مصري.. فزلزال تونس كان عنيفا، وهزها هزا، وأحدث تشققات في بنيانها السياسي والاجتماعي أدى إلى تراجع أهم رموز الاستبداد والفساد؛ في صورة هروب زين العابدين بن علي.. وحين وصل ذلك الزلزال إلى مصر تحول إلى بركان؛ أخرج حممه وصخوره وغازاته من فوهات وفتحات انشقت بضغط المواد الصلبة والسائلة الفوارة في جوف الأرض.
وجد المصريون أنفسهم يواجهون ظاهرة لها طبيعة إنسانية؛ لكنها بدت عصية على الترويض والضبط.. فالبركان مستمر في قذف حممه إلى أن يهدأ ويستقر.. وإذا كان للزلزال توابع فإن للبراكين تداعيات؛ تبقى فترة أطول. وهكذا استعرنا من علم طبقات الأرض (الجيولوجيا) مثالا على سبيل المجاز، ولا تخفى معانيه الطبيعية والعلمية عن دلالاته الاجتماعية والسياسية والإنسانية، وحتى الأخلاقية.
ذلك البركان الافتراضي تفجر في مجتمع استسلمت فيه كتلة ضخمة للخرافة، ومارست أبشع أنواع اغتيال العقل، وهذه الكتلة اعتمدت على ما يشبه الخرافة في تفسير الظواهر من خلال أساطير تبعد الناس عن فهم ما يجري على حقيقته؛ بدأت من أسطورة «الدولة العميقة».. مرورا بفانتازيا «الفوتو شوب».. ووصولا إلى «المؤامرة الدولية».. التي وقفت وراء ثورة 25 يناير.. واللجوء لهذه الأساطير المُصَنَّعة أدى إلى استحضار تفسيرات معلبة وجاهزة لكل شيء، نظرا لغياب القدرة على تحمل مسؤولية البحث والتدقيق وتبعاتها.. وتفضيل الحلول المعلبة والجاهزة على الجهود الذاتية، والإمكانيات الخاصة، والقدرات العقلية والعلمية والإبداعية المتميزة.
على هامش هذا الواقع ظهرت فئات وعناصر قادرة على توظيف المحن، واستغلالها كمصادر للارتزاق والدخل والثراء.. فالفتن والموت والترويع له تجار ومقاولون يقدمون هذه «خدمات وسلع» محرمة؛ تشهد حاليا رواجا بين محركي قطعان السمع والطاعة.. وبين المتعصبين والمتشددين، الذين يلقون حتفهم دون وعي وبلا إدراك. ونحن ممن يعتقدون بتأثير النقلة النوعية التي ارتفع إليها وعي المواطن، ومن المتوقع أن تمكنه من مواجهة هذه التحديات.. ويعلم من خلال وعيه هذا أن الإعجاز الذي مكن تونس ومصر من فتح باب التغيير الذي كان موصدا؛ هذا الإعجاز ما زال زادا يمد الجادين والمخلصين بالطاقة، ولن يطول الوقت كثيرا؛ إنتظارا لتحقيق حلم النهوض، واستعادة زخم الثورة مجددا!.

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية