بيروت ـ «القدس العربي»: احتفت بيروت مؤخرا بأربعة من النحاتين اللبنانيين المعاصرين المشهود بإبداعهم، في الوطن الصغير وفي كبريات مدن العالم. جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت وبنشاط دؤوب من رئيسها الفنان إلياس ديب، جعلت من هذا المعرض الذي استقبله قصر الأونيسكو في بيروت، فعالية وطنية تقديراً لهذا الجيل من النحاتين. فهم مبدعون لهم بصمتهم الأكيدة في وضع لبنان على خريطة فن النحت الخالد عالمياً. المحتفى بهم هم زافين هديشيان، انطوان برباري، نعيم ضومط ورافي توكاليان.
نعيم برباري «بيروت 1944»، نحات تمثال رمز الاستقلال في لبنان الشيخ بشارة الخوري، ينحو بمجمل أعماله إلى ابتكار زوايا حادة لا تحصى في التعبير. بالنظر إلى منحوتاته البرونزية، تجدها محتشدة بالتفاصيل، عابقة بالأفكار، فيها دفق من الأشكال والأحجام، والرؤوس المسننة. على الدوام هي منحوتات مرفوعة الهامة، أو شخوص تشد الهمة نحو الأمام بعزيمة لا تلين. أخذته أفكاره إلى إليسار ملكة قرطاج التي أبحرت من شواطئ صور نحو شمال أفريقيا، ومعها الحرف. فكانت منحوتة بلون الحشيش في أعماق البحار. في منحوتة جبران خليل جبران كان لخشب الأرز أن يؤكد حضوره في روح العمل ككل. حضور تمثل بالصلابة والقوة. كما تعانقت الشخوص البشرية وتداخلت، بما يشبه بعضاً من ثيمات جبران في رسم أشخاصه. واحتل وجهه المكان الأبرز.
زافين هديشيان، بيروت 1932، تميز بأناقة منحوتاته، رقتها، وحجمها الصغير. موضوعه يستتر أو يفصح عن ذاته، هو دائماً يوحي برقة ملمسه، وخلوه من النتوءات. البرونز الأسود أو الفضي لهما جاذبيتهما في أعماله. في تعبيره عن الأمومة بلغ الاحتضان والحنان حده العظيم، وتسرّب إلينا رغماً عن أنف اللون الأسود. وهو كذلك حال الثنائي المتعانق في منحوتة الزهرة. ولم يلبث حتى ترك الهمس الرقيق يرشح من منحوتة .Couple منحوتات هديشيان تميل إلى الرمزية، وترنو نحو الأعالي، لتجسّد أرفع المشاعر البشرية.
نعيم ضومط، جبل لبنان 1981، له سيرة طويلة مع الخشب. في حين اتخذت منحوتاته شكلاً طولياً لافتاً، ناعماً يحرض على التأمل. جعل لهذا الخشب مسام بشرية، ملامح ونبضا. كشف في منحوتاته عن عائلة متكاملة من الـTotem، وفي معناه أنه «الطوطم شيء من الحيوان». والتقت منحوتاته مع أفكار غنية للشخوص المتوازية، مثل الثنائي، امرأتان عاريتان، أو متسترتان، رأس بوجهين منفصلين من الأمام، وبملامح مختلفة لكل منهما. لضومط خاصية جمع الوجوه والأجساد وتفريقها في آن. هو فنان متفرد في حرفته.
رافي توكتليان، بيروت 1957. فنان لا ينحت في الواقع. يتأثر به من دون شك ويمنح منحوتاته بعداً موغلاً في الأساطير والأحلام. على الدوام ترفع منحوتاته هامتها أو يديها إلى السماء. هذا حال منحوتة المصير، رجل يقاوم في الأعالي.
في منحوتة «الواحد» جسد امرأة بأربعة أذرع ووجهين. لهذا الفنان سر دفين مع حافر الحصان. هو يختارها لأرجل شخوصه رغم شكلها الإنساني البارز. في تمثال طولي برجل واحدة، تجمعت على زندي الرجل «صبابات» المحركات. أطلق على هذه المنحوتة المعبرة اسم «المقاومة». وتداخلت في منحوتاته صراعات، وأفكار، توحي جميعها بأنها وليدة فنان لا يعرف المهادنة.
الفنانون الأربعة كان لهم تفاعلهم المثمر جداً مع طلابهم. جميعهم مارس التدريس في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية. وكان لهم العطاء السخي. ولهذا رعت الجامعة اللبنانية ممثلة برئيسها عدنان السيد حسين تلك الفعالية. وصف السيد ما يعرفه عن المحتفى بهم وما شاهده من أعمال بالقول: يبوح كل عمل بما أضمر صانعه من إيحاءات وأفكار، وهي في مجملها جزء من صفاء لبنان المتحضر بعيداً عن لغة الأحقاد والعصبيات.
نحن مدعوون لتعزيز الرسم والنحت في جامعتنا وسائر الجامعات اللبنانية، ضناً بإرث عظيم ومستقبل أفضل لا ينطق بغير الحضارة. مؤسس متحف مقام للفن المعاصر سيزار نمور قال إن المكرمين الأربعة يمثلون الجيل الثاني من النحاتين اللبنانيين الطليعيين، بعد جيل الأخوة بصبوص، وسلوى روضه شقير ومعزز روضه.. أعمالهم تشخيصية تعبيرية تبقى مع هموم الإنسان وآماله وأحلامه. «الحاجة ملحة الآن لإطلاق صرخة ضمير للحفاظ على الذاكرة الجماعية، وصيانة حيويتها ونضارتها في ظل الأحداث المأساوية التي تعيشها بلادنا». هذا ما قاله رئيس جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت إلياس ديب.
زهرة مرعي