بيروت ـ «القدس العربي»: نجح المسلسل اللبناني «قلبي دقّ» في كسر احتكار أعمال الدراما الرمضانيّة السورية والمصرية للشاشة الرمضانية، لأسباب عدّة من أهمها بساطته، البساطة النابعة من تعاطيه مع هويته اللبنانية كما هي، من دون انتحال تراكيب غربية أو إحضار قوالب درامية جاهزة وحشر قضايانا العربية فيها رغماً عنها، كما في مسلسلي «العرّاب» أو «تشيللو»، ناهيك عن تشويه التاريخ وأناسه والهويّة التي تفرضها دراما «باب الحارة». فهل رومانسية «تشيللو» هي ما يبحث عنه الشباب العربي اليوم؟ ولماذا يشاهدون- على سبيل المثال- مسلسلاً من ثلاثين حلقة، في الوقت الذي بإمكانهم مشاهدة نسخة الفيلم الأساسيّة «indecent proposal» !! فيلم تضرّر نجاحه بسبب رسم شخصية المليونير الراغب بشراء ليلة مع تلك الجميلة «بمليون دولار» عام 1993! واختيار النجم روبرت ردفورد لتأدية الدور، إذ لم يكن ردفورد أنموذج الرجل المُشتري، لم يكن قميئاً ولا منحرفاً من دون أخلاق، بل رُسمَت شخصيته كثرّي ساحر ذي أهواء غريبة تفوّق أداء وحضوراً على شخصية الزوج وودي هارلسون.
هل يخلو «قلبي دقّ» من الهفوات الدراميّة أو الإخراجيّة أو الإنتاجيّة؟! بالتأكيد لا. إلاّ أنّ شوقنا لنهضة في الدرامية اللبنانية تسمح ببعض عفو، دراما جديدة، نكهة مختلفة عن تكرارات الدراما السورية والمصرية المغرقتين في تصنّع ثقيل فرضته أزمات التسويق من جهة، وواقع كل من مصر وسورية من جهة ثانية.
الهويّة اللبنانية
يرسم مسلسل «قلبي دق» ملامح الحياة اللبنانية كما يعرفها اللبنانيون، فهناك عالم الضيعة وهناك بيروت. عالمان مختلفان، بعيدان رغم قُرب الجغرافيا في بلد تُقدّر مساحته بـ(10،452 كم2). ملامح تحاول تثبيت هويّة في بلد عانى ويُعاني أهله من ضجيج سؤال الهويّة، نظراً لعوامل تاريخيّة وسياسيّة معقدة، من أهمّها قوام لبنان الحالي بعد اتفاقيّة «سايكس بيكو» التي قسّمت المنطقة القديمة المعروفة سابقاُ بـ»بلاد الشام» عام 1920 ورسمت حدود الخرائط المعاصرة، وصولاً إلى طبيعة النشأة ذاتها التي روعيت فيها مصالح طائفة على أخرى، ممّا فجّر لاحقاً حرباً أهليّة كانت بيروت- العاصمة ساحتها المركزية.
لكن «قلبي دقّ» بعيد كُلّ البعد عن هذه الأزمات، هو أبسط بكثير، «يورغو شلهوب» شاب عاش وتربى في فرنسا، يجد نفسه في موقفٍ عاديّ في الثقافة التي أتى منها، لكنه موقف إشكالي جداً ضمن تعاريف «الشرف» العربية، فيضطّر لإبرام زواج شكلّي يُنجّيه ويُنجي الفتاة «كارين رزق الله» من رصاص والدها العنيف.
يتعرّف «سامي» إلى عالم «تينا»، صداقاتها وصديقاتها ذوات الكعوب العالية أياً كانت الظروف وأياً كانت أوقات النهار، بمكياجهنّ المُنمّق ولباسهنّ الذي يواكب الموضة، وحديثهنّ العفوّي وهمومهنّ الصغيرة، معه نتعرّف إلى هذا العالم البيروتي- إن صحّ القول، فهذا مُجرّد ملمح من ملامحه- وإلى تلك العائلة شديدة الثراء التي ترسل أولادها للحياة والدراسة في فرنسا «لأنو التعليم برا أحسن»! ونتعرّف معهما إلى عالم الضيعة الذي تعيش فيها النساء بلا تبرّج، بلباس بسيط وهموم كبيرة تطال أسس الحياة ذاتها. ما بين هنا وهناك تنقلنا حيل «تينا» وابتسامة «سامي».
ثنائي نجح بتناغمه ومشاكسته أن يُعيد إلى الذاكرة صورة الثنائي الجميل «هند أبي اللمع» و»عبدالمجيد مجذوب» في المسلسل اللبناني الشهير «ألو حياتي» (1976)، خاصة أنّ «شلهوب» اختار أن يظهر باللوك ذاته الذي ظهر به «مجذوب» في سنوات الدراما اللبنانية الذهبية.
عمل نسوّي.. بامتياز
يطلب «عبد المجيد مجذوب» من «هند أبي اللمع» الموافقة على زواج شكلّي منه بسبب قدوم والده لزيارته وهو يعتقد أنّه متزوّج ولا يُريد مكاشفته بالحقيقة، في السبعينيات، فإنّ «شلهوب» يجد نفسه مضطرّاً إلى الموافقة على الزواج من «رزق الله» تحت تهديد سلاح والدها «طانوس» الذي لا يقبل بأن يجد ابنته مع رجل بمفردهما في ما اعتبره وضعا غير لائق.
هذا الوالد نفسه هو الذي أرسل ابنته لتتربى في منزل جديّها من كرّهه للفتيات، وزّع تركته بين ذكوره الخمسة، عاطفاً على «نعوم» الذي أنجب ست فتيات بمساواته بأخوته لأنّ زوجته حامل بما يُفترض أنه ذكران، وإن لم يكونا فـ»نعوم» مُهدّد بالقتل! الوالد القاسي، الجلف، مع جميع أولاده وزوجته رافعاً شعاره «أبفهمش» عالياً في وجه كلّ نقاش عقلاني، يجد نفسه أمام ثورة زوجته في أحد الصباحات بعد توزيع التركة واستثناء الفتاة، حين يأمرها على عادته: (قومي اعملي قهوة) فتجيبه: (أنا شربت قهوتي، قوم اعمل أنت).
أجل، بالقرب منّا وليس بعيداً كثيراً عن بيروت، لا تزال هناك نساء تُضرَب، تُعنّف لفظيّاً وجسديّاً بناءً على جنسها لا أكثر. لا تهم شهاداتها، عملها، أخلاقها طالما أنّها أنثى. لا يهم كذب بعض الذكور، عطالتهم، وكل سوء بهم طالما هم ذكور، لأن البعض مصر على شعار «أبيفهمش».
هل يثور العمل الذي ألّفته كارين رزق الله وأخرجته غادة دغفل على مجتمعه؟ لا. بسلاسته والابتسامة التي يرسمها ببساطته على وجه متابعيه يعرض قضيته، من دون حدّة، من دون كره – إن صحّ القول- فحين تُنصح «تينا» على سبيل المثال بأنّه يمكنها اللجوء إلى القضاء لتعديل توزيع التركة تختار خطاباً عاطفياً بأنّ الأرض أو المنزل يُورّث كذكرى من الأهل وليس للاستثمار- بالنسبة لها- وهي لا تريد أن تترك لأولادها ذكرى حرب قضائيّة مع أهلها.
كُثر سيعترضون على خطاب المُهادنة هذا، لكن هل يُصغي إليه ذاك الأب؟ هل ستوثّر قوّة «تينا» الناعمة فتكسب قلب والدها وزوجها؟ في انتظار ما ستحمله الحلقات المقبلة من المسلسل الذي يُعرض على شاشة «LDC».
يارا بدر