مصر… عصر «المادة 33»

حجم الخط
7

«الحبس مدة لا تقل عن سنتين لكل من يتعمد نشر أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أي عمليات إرهابية بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية، دون الإخلال بالعقوبات التأديبية المقررة في هذا الشأن». هذا هو نص المادة 33 سيئة السمعة في مشروع القانون الجديد لمكافحة الإرهاب في مصر.
اما هذا فنص المادة 71 في دستور مصر ايضا: «يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب أو التعبئة العامة. ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون».
اما التناقض بين النصين، الذي قد يراه القارئ واضحا إلى درجة «تخزق» العين، فهو مازال «محل نفي او دراسة» حسب بعض المنافقين الذين يصرون، كما فعلوا دائما عبر العصور، على ان يزينوا للحاكم الا يسمع الا صوته.
ومن الواضح ان النص الركيك للمادة 33 قد كتب على عجل بقلم شخص لاعلاقة له ليس فقط بمهنة الصحافة، بل وبعصر الميديا الرقمية العابرة للقارات، ودورة الاخبار التي لا تتوقف على مدار الساعة.
وكثير ما يمكن قوله في هذه المادة وما تعنيه مهنيا وسياسيا وحقوقيا، ولكننا نكتفي بالنقاط التالية:
اولا: يبدو ان المادة 33 كتبت في لحظة غضب بعد ان نقلت صحف مصرية وعربية في الاول من شهر تموز/يوليو الحالي ان عدد ضحايا الجيش المصري وصل إلى عشرات القتلى جراء الهجوم الإرهابي الذي وقع في شمال سيناء. ومن المفيد التذكير بأن البيان العسكري الوحيد بشأن ذلك الهجوم لم يصدر الا في وقت متأخر من مساء اليوم نفسه، وهو ما عزاه الجيش إلى انه «كان يحتاج إلى وقت للتأكد من العدد»(..). فهل يعقل ان تمتنع الصحف عن نشر اي اخبار عن هجوم إرهابي اوعدد ما اوقعه من قتلى التي تتداولها وكالات الانباء الدولية طوال اليوم، بانتظار صدور بيان؟ وماذا إذا لم يصدر بيان اصلا؟ وهذا حدث فعلا في هجمات سابقة مثل تلك التي وقعت قبالة ميناء دمياط العام الماضي، هل يجب ان يغمض الإعلام عينيه؟ وهل يعقل ان تنص المادة على حبس من «ينقل اي اخبار بشأن اي عملية إرهابية بما يخالف البيانات الرسمية»؟ يعني إذا قال مراسل صحيفة او قناة ان (اربعة إرهابيين شاركوا في الهجوم) على سبيل المثال، ثم قال البيان الرسمي ان المهاجمين ثلاثة فقط فهل يجوز حبس الصحافي(…)؟
ثانيا: كيف يمكن لصحافي يعلم ان رقبته تحت سيف المادة 33 ان يتجرأ على انتقاد سياسة الدولة في مكافحة الإرهاب او غيرها؟ ان معاقبة الصحافيين اوالقضاء على حرية الصحافة لن يساعد على مكافحة الإرهاب، بل ان العكس هو الصحيح تماما. حيث انه لا يمكن تحميل الصحافيين مسؤولية التقصير المخابراتي الذي يسمح بتكرار تلك الهجمات الإرهابية المدانة باشد الكلمات سواء في سيناء او غيرها. وبدلا من سجنهم لأنهم يستخدمون مصادر الاخبار التي تعتمد عليها الصحف في العالم اجمع، يجب انشاء ادارة إعلامية متخصصة في الجيش المصري تتفاعل سريعا مع الاحداث، ولا تكتفي بالبيان الذي لم تتغير صياغته او اسلوب اذاعته منذ حروب القرن الماضي.
ثالثا: ان للعلاقة المعقدة بين السلطة وحرية الصحافة تاريخا طويلا، وليس غريبا ان يحاول النظام الحالي استثمار الاجواء الشعبية الغاضبة من الاعمال الإرهابية سياسيا ليقضي على تراث مصري عريق سمح بهامش من الحرية حتى في اقسى مراحل القمع والديكتاتورية. وقد تمكن الصحافيون المصريون على سبيل المثال من اجبار الرئيس الاسبق حسني مبارك على التراجع عن القانون 93 قبل نحو عقدين من الزمن، على الرغم من ان مصر كانت تتعرض إلى اعمال إرهابية حينئذ ايضا. اما إذا كان النظام جادا حقا في القيام باصلاح إعلامي وصحافي يضع حدا للكذب والسب والقذف والمهاترات التي اصبحت تهيمن على كثير من الصحف والقنوات، فيمكنه ان يفعل ذلك عبر ميثاق شرف إعلامي، كان تعهد به ضمن «خارطة المستقبل» التي اعلنها قبل عامين ولم يتحقق منها سوى انتخابات الرئاسة.
واخيرا فان الهدف الحقيقي للمادة 33 هو مكافحة الصحافة والحريات وليس الإرهاب، وقبل ان يقرها الحكام الجدد، عليهم ان يقرأوا تاريخ مصر جيدا حيث كان اسكات الصحافة وتكميم الافواه دائما نذير شؤم على عروش ظنت انها لن تزول ابدا.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية