لندن ـ «القدس العربي»: أثار مشروع قانون مكافحة الإرهاب في مصر الذي يتوقع أن يتم إقراره ويدخل حيز التنفيذ قريباً وفي غياب البرلمان، أثار جدلاً واسعاً بشأن ما إذا كان أداة لمزيد من تقييد الحريات في البلاد، خاصة الحريات الصحافية والإعلامية، حيث وصفه نشطاء وحقوقيون بأنه أحد أكبر الضربات التي يمكن أن تتلقاها الصحافة في مصر ودعوا إلى عدم تمريره.
ويمثل مشروع القانون الجديد سابقة في تاريخ مصر، حيث يحظر على الصحافيين نشر أي معلومات تخالف البيانات الحكومية المتعلقة بمواجهة الأعمال الإرهابية، ويعاقب من يخالف ذلك بالسجن لمدة لا تقل عن عامين، كما أن مشروع القانون ينص على أنه «يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنين كل من روج أو أعد للترويج، بطريق مباشر أو غير مباشر، لارتكاب أي جريمة إرهابية، سواء بالقول أو الكتابة أو بأي وسيلة أخرى».
ونص المشروع أيضاً على أنه «يعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن خمس سنين، كل من أنشأ أو استخدم موقعا على شبكات الاتصالات أو شبكة المعلومات الدولية أو غيرها من وسائل الاتصال الحديثة، بغرض الترويج للأفكار أو المعتقدات الداعية إلى ارتكاب أعمال إرهابية، أو لبث ما يهدف إلى تضليل السلطات الأمنية، أو التأثير على سير العدالة فى شأن أي جريمة إرهابية».
وحظر القانون أيضاً تسجيل أو تصوير وقائع جلسات المحاكمات المتعلقة بالإرهاب بأي وسيلة كانت أو بثها عبر وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة أو المقروءة أو على شبكات الاتصالات أو التواصل الاجتماعي أو على أي وسيلة أخرى ما لم تأذن له المحكمة بذلك.
وأثارت بنود القانون عاصفة من الجدل والتنديد، سواء عبر بيانات صادرة عن مؤسسات المجتمع المدني، أو من خلال مئات النشطاء الذين انتقدوا القانون عبر شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة وأن القانون ـ في حال تطبيقه ـ سوف يصبح سيفاً مسلطاً على رقاب الناشطين على الانترنت بما في ذلك المغردون على «تويتر» أو المدونون على «فيسبوك» وغيرهما من شبكات التواصل الاجتماعي.
إدانات واسعة للمشروع
وأصدرت نقابة الصحافيين في مصر بياناً شديد اللهجة دعت فيه إلى عدم إقرار مشروع «قانون مكافحة الإرهاب» وقالت إن القانون المقترح يفتح الباب أمام «رقابة قانونية» على العمل الصحافي. وأشارت النقابة في بيانها الذي اطلعت عليه «القدس العربي» إلى أن بعض بنود المشروع تمثل «ارتداداً واضحاً على حرية الرأي والنشر والتعبير» وقالت إن القانون يتضمن «مصادرة لحق الصحافي في الحصول على المعلومات من مصادرها المختلفة».
وناشدت نقابة الصحافيين السلطات المعنية بإعادة النظر في مشروع القانون، قائلة إن «الطريق لمحاربة الإرهاب لن يكون بإهدار الدستور».
من جهته، أصدر مرصد «صحافيون ضد التعذيب» بياناً أعلن فيه رفضه المطلق لبعض مواد المشروع وقال إنه «يمثل قيداً جديداً على حرية الإعلام في مصر».
وأضاف المرصد إن مشروع القانون الجديد ليس فقط يخالف دستور 2014، بل جاء ليعيد الرقابة والحبس في قضايا النشر، مؤكداً أن مواد القانون تضاف إلى سلسلة من القوانين سيئة السمعة، والتي صدرت في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك وكان الهدف منها تقييد الصحافة.
وأشار المرصد إلى أن دستور 2014 نص صراحة على إلغاء الحبس في قضايا النشر وتسهيل الحصول على المعلومات ليأتي قانون الإرهاب ويعاقب بالحبس مدة لا تقل عن عامين في قضايا النشر المتعلقة بالإرهاب.
وتابع المرصد: «تحفل مواد القانون بكثير من العبارات المطاطة التي تتعدى الهدف الرئيسي للقانون، وهو مواجهة الإرهاب إلى مصادرة حرية الصحافة من خلال السلطة التنفيذية».
وقالت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في «ورقة موقف وتعليق قانوني» حصلت عليها «القدس العربي» إن مشروع القانون «يمثل حالة طوارئ في أشد صورها تعسفاً».
ورأت الشبكة أن الاستهانة الواضحة بالقيم القانونية والدستورية الراسخة تمثل الملمح الأساسي في هذا المشروع، مشيرة إلى وجود «رؤية أمنية مستهينة بحق الصحافة باعتبارها مرآة المجتمع ولسانه».
وأكدت أن المشروع يهدد حقوق الصحافيين ويُعرضهم للحبس المُغلظ في قضايا النشر، وهو ما يمثل إهداراً صريحاً لأحكام الدستور، وذلك بدعوى مجابهة الإرهاب، كما يحول المشروع المواطن المصري إلى متهم إلى أن تثبت براءته، في مقابل منح صلاحيات واسعة لرجال الشرطة، والسلطة التنفيذية تحميهم من العقاب، ولا تسائلهم عن التعسف في استخدام القوة أو القانون.
جدل على الانترنت
وأثار مشروع القانون جدلاً واسعاً على الانترنت، وغضبا بين النشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي، وتحول طوال الأيام الماضية إلى واحد من الموضوعات التي أخذت حيزاً في الجدل الدائر على شبكتي «تويتر» و»فيسبوك».
وكتب المحامي والناشط المصري أحمد حلمي على «تويتر»: «قانون الإرهاب الجديد هو قانون طوارىء جديد أسوأ مليون مرة من قانون الطوارىء القديم».
أما نهلة حلمي فاكتفت بالقول: «مصر حالياً ليست سوى معتقل كبير». فيما كتب ناشط آخر: «قانون الإرهاب الجديد تجسيد لعقلية الخمسينيات للفاشية العسكرية الكلاسيكية إلى بتشوف كل الناس عبيد في معسكر رأسمالي استعبادي والخارج عنه خاين».
وعلق الناشط الخليجي جابر بن ناصر المري على قانون مكافحة الإرهاب الجديد بالقول: «لم يعد هناك مكان في السجون، لذا ابتدعت عصابة السيسي طريقة لـ«تصفية المعارضين» خارج القانون تحت مسمى قانون الإرهاب الجديد».
وقدم أحد النشطاء نصيحة لزملائه على «تويتر» بأن يقوم كل منهم بفتح حساب وهمي باسم مستعار يقوم من خلاله بالتعبير عن رأيه ليفلت من عقوبات القانون الجديد، وقال: «بصوا بعد صدور قانون الإرهاب الجديد نصيحة كل واحد يعمل حساب مجهول تماماً يتكلم منه ويكتب اللي عاوزه وميعرفووش حتى لابووه».
يشار إلى أن الدستور المصري يحظر توقيع أي عقـوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بواسطة النشر، وهو ما يعني أن العديد من النصوص الواردة في القانون تخالف الدستور المعمول به حالياً في مصر، كما أن غياب البرلمان يمثل أحد أهم الأسباب التي دعت المصريين لرفض القانون حيث لن يحتاج القانون لتمريره سوى توقيع الرئيس عبد الفتاح السيسي عليه، وهو ما زاد من الانتقادات الموجهة له.