رمضان يجمعنا، فلماذا نفترق؟

حجم الخط
0

«رمضان يجمعنا». إنه شهر استثنائي بامتياز، شهر الصيام والاعتكاف، شهر الرحمة والمغفرة. تتغير فيه عادات الناس الدينية والاستهلاكية. لذلك نجدهم في آن واحد يتعاملون معه بكيفية مختلفة عن باقي شهور السنة. يتم فيه الإقدام على ارتياد المساجد في أوقات الصلاة نهارا، والاعتكاف، ليلا، في المساجد للتعبد ولأداء صلاة التراويح. في هذا الشهر يمسي فيه مغاربة المدن ليليين وهم الذين يغلقون عليهم أبوابهم عادة بعيد المغرب. في هذا الشهر أيضا يتزايد الاستهلاك على مختلف المواد الغذائية التي يقل استعمالها فيما خلا هذا الشهر.
شهر الصيام يعني الإمساك عن الشهوات، والأهواء، والممارسات المشينة التي يعمل الإسلام من خلال التصدي لها على تهذيب السلوك، والارتقاء بالإنسان، وتغيير العادات السلبية: «من لم يترك قول الزور والعمل به،  فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». ولما كان عمر هذا الشهر في تاريخ المجتمعات الإسلامية يمتد على مدى عدة قرون فقد تكونت عادات وتقاليد أمست شديدة الصلة به، وصارت جزءا من القيم العامة للمجتمع: الصدقة، المصالحة مع الذات والآخر، تجنب النفاق، التوبة… لكن كل هذا التاريخ الذي تكرس مع الزمن، بات عرضة للتغير بسبب تطور المجتمع وعاداته وتقاليده، فصرنا بذلك أمام ظواهر لا علاقة لها بهذا الشهر، ولا بالقيم العامة التي تربى عليها المجتمع. فكان ذلك سببا في بروز ظواهر لا حصر لها لا يمكن إلا أن نفسرها بما نسميه بـ»الهشاشة الثقافية».
من تجليات هذه الهشاشة غياب التوافقات الكبرى، أو بداية تلاشيها، في المجتمع، والتي تكرست مع الزمن، حيث بات المجتمع يتعامل معها عن طريق ما كنا قد أسميناه «المحو الثقافي». فبرزت ظواهر جديدة، لا علاقة لها بالسلوك الاسثتنائي الذي كان يترافق مع هذا الشهر.
مظاهر هذه الهشاشة متعددة، ولكننا سنركز على مظهرين متناقضين نلخصهما في كلمة واحدة هي: «استغلال» هذا الشهر لخدمة مآرب لا علاقة لها به، وعلى أي مستوى من المستويات. فهناك من جهة يتم استغلال هذا الشهر، باعتباره مناسبة دينية واقتصادية، للتعامل مع المسلمين إما باعتبارهم «مستهلكين» أو»جمهورا».
يستغل التجار هذه المناسبة لرفع الأسعار، وتقديم المواد الغذائية التي يكثر الإقبال على استهلاكها، حتى وإن كانت فاسدة ومنتهية الصلاحية، مستغفلين عين الصائم التي لا تنتبه إلى البضاعة. ولقد تم الكشف عن مئات الأطنان من الفواكه والمواد الفاسدة. أما وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، فقد دأبت على التهيؤ لهذا الشهر، بكيفية خاصة، لعرض بضاعاتها الإعلامية، إما بهدف الإضحاك أو التثقيف. ويختلط الحابل بالنابل، بدون تدبير أو تخطيط، فنكون أمام «نقط العروس، وبعر الغزلان»؟
أما نقط العروس المضيئة، فتفرض علينا هذا التساؤل: لماذا لا ينشط الإعلام إلا في رمضان؟ لماذا لا تتخذ الصحائف والقنوات الجادة هذه المناسبة لتكون تقليدا دائما لا استثنائيا، فتتربى على احترام الجمهور فتقدم له خلال السنة بكاملها برامج ومواد تثقيفية جادة ومفيدة؟ فهل الصائم فقط هو من يحتاج إلى «رمضانيات» و»فسحات» فتنتقى لها الملفات الدسمة، وتقدم فيها الكتب النادرة، أو ما شابه ذلك من القضايا المفيدة؟ هل المفطر في غير هذا الشهر، ليس في أمس الحاجة إلى برامج تعد إعدادا متقنا، وبوقت مناسب، يستجيب لحاجاته وضروراته اليومية؟ يشتكي كثير من الفنانين والممثلين من كون عروض العمل الفني لا تكون إلا لمناسبة رمضان.
ولم لا تكون حلقات الكاميرا الخفية الهزيلة والهزليات التي تضحك على الذقون خلال هذا الشهر، والمسرحيات التافهة، وما شابه ذلك من البرامج، مناسبة لنقد ذاتي، بناء على ردود الأفعال السلبية تجاهها، ليكون العمل على الارتقاء بفن الضحك إلى مستوى يسهم في ذائقة الجمهور ووعيه الفني طوال السنة؟
أما النوع الثاني فيكمن في استغلال رمضان لممارسة الجدال والسجال حول قضايا اجتماعية وحقوقية ودينية. يبدو ذلك في تحميل بعض الظواهر التي قد تكون بدون قصد، أو حتى بقصد، ما لا تحتمل، لو أنها كانت في غير هذا الشهر الذي لا شك أن له حرمته في الوجدان الشعبي والاجتماعي العام. فتضخم وتصبح حدثا يغطي على أحداث أخرى أكثر أهمية. فاعتقال بضعة شباب بسبب الإفطار، أو السكر، في فاس أو مراكش، أو التظاهر أمام البرلمان ضد اغتصاب معاقة جسديا نجم عنه حمل فولادة، أو لمساندة فتاتي التنورة المتابعتين بتهمة الإخلال بالحياء العام،  أو الاعتداء على مثلي في فاس، أو تعبير «العدل والإحسان» عن رفض السلطات السماح لأعضائها بالاعتكاف في عدد من المساجد… وقس على ذلك.
إن استغلال مثل هذه الظواهر التي لا أرى مانعا من إثارتها، والتعبير عنها، ليس سوى دليل على ما أعتبره هشاشة ثقافية. فممارسة التحرش ضد فتاتي إنزكان، ومتابعة المفطرين، يعني أن تلك التوافقات الاجتماعية الكبرى باتت هشة ولا اعتبار لها من لدن بعض أفراد المجتمع. من الضروري احترام حريات الأفراد وحقوقهم وخصوصياتهم والدفاع عنها ما دامت لا تتعارض مع حرية المجتمع وحقوقه وخصوصيته، علما أن من أخلاقيات هذا المجتمع التاريخية عدم التلويح أو الجهر بالمعصية لمقاصد لا حصر لها: «إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا».
ما الفرق بين أن نرى أجنبيا غير مسلم، يعرف تقاليد المجتمع المغربي يربأ بنفسه أن يأكل أو يدخن في الساحات العمومية. وعندما يحل ضيفا على أسرة مسلمة، يضرب عن الطعام والتدخين، احتراما لمشاعر مضيفيه، وبين مغربي «يتباهى» بالسكر والتدخين على مرأى من الجميع؟ فما هي الرسالة المراد تبليغها من وراء مثل هذه السلوكات التي باسم حرية، تلغي حريات؟
فكما أن الصائم (الفرد) عن اقتناع يتخذ هذا الشهر مناسبة لتغيير عاداته وسلوكه، سواء تعلق الأمر بنظامه الغذائي أو حالته الصحية، أو الدينية والاجتماعية، يمكن للمجتمع (تجارا وإعلاما ومؤسسات…) أن يتخذه مناسبة لـ «المصالحة» مع ذاته الجماعية، وتجاوز الخلافات التي تضر بمصلحته، والارتقاء إلى مستوى أعلى يؤهله لنبذ أنماط السلوك التي تجعله لا يرى أبعد من مصلحته الخاصة والآنية والذاتية، بغض النظر عن المصلحة العامة.
إن المناسبات الخاصة (زواج ـ ختان ـ عزاء…) أو الاحتفالات (أعياد وطنية ـ مناسبات دينية ـ انتخابات ـ وقفات احتجاجية…)، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة، هي مقامات للتساند الاجتماعي وسياقات للتعاضد الجماعي، والتنازل عن الذاتيات والنرجسيات، وتقريب وجهات النظر، وتمتين العلاقات الإنسانية في أبعادها الأنثروبولوجية والثقافية. وإذا لم يتم استثمار، كي لا أقول استغلال مثل هذه المناسبات للمقاصد المذكورة، لا تكون سوى تعبير عن الهشاشة الثقافية، حيث تغدو المناسبة «استغلالا» لها لمآرب خاصة وضيقة على حساب مصالح عليا، وفي تعارض معها.
مناسبة تقديم العزاء والمواساة في فقدان قريب، ليست واجبا اجتماعيا، إذا لم يكن من بين أهدافها تجاوز العداوة والشقاق مع من نقدم له العزاء، وتكون بذلك بداية لعلاقة ودية جديدة معه، وإلا فهي نفاق اجتماعي لا يدل سوى على تلك الهشاشة الثقافية.
إن المناسبات الاستثنائية، في الحياة الفردية والاجتماعية، لحظات للتوقف، والتأمل، والنقد الذاتي والتجاوز. وحين لا تتحقق فيها مثل هذه المقاصد النبيلة، فإنها لا تختلف عن العادي والمألوف، أي عن ممارسة الهشاشة والابتذال.
كاتب مغربي

سعيد يقطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية