طريفة وذكية هي تلك الأغنية التحذيرية التي غناها راغب علامة قبل سنوات، قبل أن يفقد تألقه، في نظري على الأقل، ويتحول إلى حكم متفذلك ثقيل الدم في برامج الهواة. ومع أن الأغنية هي من الطراز العاطفي، إلا أنها تصلح للاستخدام أيضا فيما يبدو في المجال السياسي، فكم من نظام عربي يلعب بالنار هذه الأيام، وأخشى أن ينتهي لعب تلك الأنظمة إلى أن تحرق أصابعها وأصابع مواطنيها البؤساء، حسب المصير الذي تتنبأ به الأغنية للاعبين بالنار.
تاريخيا، وبوجه عام، اتسمت السياسات الخارجية للأردن بمستوى ملموس من الحكمة، التي كانت تحثه على أن يظهر بمظهر الحياد وأن لا يتدخل في معظم الحالات بشكل مباشر وصريح في الصراعات المعقدة التي تتأجج في البلدان المحيطة به، ربما باستثناء حالة انحيازه إلى جانب العراق إبان احتلال صدام للكويت؛ ما جنبه وأهله طويلا خطر التعرض لنيران تلك الصراعات، وجعله واحة للاستقرار والأمن، مقارنة بالعديد من الدول العربية الملتهبة. إلا أن من المؤسف أنه بدأ في السنوات الأخيرة يتخلى عن تلك الحكمة المحمودة، ليبدأ في توريط نفسه وشعبه في حروب ليست حروبه، لا شيء يضمن ألا تمسه بلفحها، عاجلا أم آجلا. فالجرة لا تسلم كل مرة إذا ما واظب أصحابها على تعريضها للكسر وغامروا بوضعها على حواف متأرجحة قلقة، مهما بلغت درجة مهارتهم وامتلاكهم لفنون التوازن وأسرار تجنب السقوط.
ليس سرا أن توسيع رقعة الأردن، عبر ضم ما يمكن ضمه من أراض متاخمة، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، هو حلم قديم داعب مخيلة الدولة الأردنية، التي تنظر إلى نفسها كوريثة للثورة العربية الكبرى، التي قامت وهي تسعى إلى إقامة مملكة عربية مترامية الأطراف تحت الحكم االهاشمي. إلا أن هذا الحلم الذي تواترت الأنباء مؤخراً عن استيقاظه من سباته الطويل ــ بعد استحالة تحققه لأسباب كثيرة متداخلة ليس هذا مجال الخوض فيها ــ بتحريض من بعض الدول الانتهازية الهوجاء سياساتها، قد يتحول إلى كابوس دامٍ في نهاية المطاف. إذ إن تحقيقه مرتهن بأن يحول الأردن نفسه إلى حائط صد يتلقى الضربات الموجعة نيابة عن الدول التي توسوس له لوضع نفسه أمام فوهة المدفع، وهي تود تحقيق مصالحها وتصفية حساباتها على حساب استغلال فقره وحاجته للدعم، وطموحه إلى لعب دور أكبر وأهم في المنطقة.
مشاركة الأردن عسكريا فيما سمي بالتحالف الدولي ضد الإرهاب هي خطيئة قاتلة، فقد كان أحرى به مقاومة الابتزاز والضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمارس عليه مهما عظمت، وإفهام الجهات الضاغطة أن ظروفه وإمكاناته وجغرافيته الحساسة لا تسمح له بمثل تلك المشاركة الانتحارية العواقب، فليس بالخبز وحده تحيا البلدان، وماذا سيجني الأردن إذا ربح أموال العالم وخسر أمنه! إذ ليس من حسن التدبير فيما ازعم إقدام الأردن على الدخول، ودفعة واحدة، في حروب متعددة المستويات والمحاور والأبعاد، ضد تنظيم الدولة المتأبط شرا، وضد حركات إسلامية جهادية وغير جهادية قرر الغرب ووكلاءه في المنطقة نعتها بالإرهابية، وضد إيران التي اتهمها الأردن مؤخرا بالتخطيط لتفجيرات على أراضيه، فذلك يعني التعريض الحتمي لأمنه للخطر، وعلى جبهات متعددة، من شماله وجنوبه وشرقه. مذكرين بأن الأردن بحكم موقعه، وبحكم جنوح سياساته إلى الصدام والتحدي، وبحكم وجود أعداد هائلة من اللاجئين على ترابه، هو بيئة خصبة لنمو الكثير من الخلايا، النائمة والصاحية، التي يمكن أن تتعاطف وتتحالف مع تلك الأطراف المتنوعة التي تورط في شن الحرب عليها، بحيث تستطيع، على أقل تقدير، أن تشعل نيران الفوضى والعنف والرعب على أراضيه إذا ما سعت لذلك بشكل جدي، مهما بلغت درجة يقظة قوات أمنه واستعدادها.
الأردن يحاول منذ فترة أن يلعب دور المحامي عن الإسلام المعتدل ضد الإسلام المتطرف الذي يرفع تنظيم الدولة رايته، مع أنه سيجد صعوبة بالغة في إقناع الكثيرين بأهليته للعب ذلك الدور الشائك، في ظل تواضع مستوى التزامه بتطبيق الشريعة الإسلامية في قوانينه وأنظمته، وتركه الباب مفتوحاً لتسلل كثير من أشكال الانحلال الخلقي المتعارضة مع الإسلام إلى الشارع الأردني، مثل السماح لثلة من الفتية الضالين من أبناء نخبه السياسية والاقتصادية لأن ينزلقوا إلى عبادة الشيطان وإلى عقد المؤتمرات الداعمة للشذوذ الجنسي برعاية من السفيرة الأمريكية. إلا أن لعبه لذلك الدور الطموح سيزيد من شدة الأخطار التي ستستهدف أمنه لا محالة. فتنظيم الدولة الهائج مثلاً يطرح نفسه بوصفه المدافع الأول والأخير عن الإسلام السني، والقصة عنده ستكون قصة حياة أو موت في مواجهة من ينازعه تلك المكانة، التي تتنافس عليها دول عديدة، مثل السعودية وتركيا ومصر، بالإضافة طبعا إلى الأردن، الذي ينافس بحكم إمكاناته المتواضعة بالنيابة عن غيره أكثر مما يفعل بالأصالة عن نفسه. المشكلة أن الأردن عمليا هو أضعف تلك الدول وأفقرها وأصغرها، وهو من أكثرها حالياً قرباً لمرمى نيران تنظيم الدولة، الذي تتراكم بتسارع كبير الأسباب التي قد تجعل من انتقامه من الأردن وأمنه واحدا من أهم أولوياته.
من يحبون الأردن ويخافون على سلامته عليهم إخلاصه النصح وحثه على تهدئة اللعب والتوقف عن إطلاق التصريحات النارية والتراجع عن سياساته المغامرة، التي لا أظنها نجحت إلا في خلق المزيد من الأعداء واستفزازهم أكثر، فلعله ينسحب من ذلك التحالف المشبوه الذي تقوده أمريكا، التي يستحيل أن تكون حريصة حقا على نشر الإسلام المعتدل أو على أمن شعوب المنطقة، بعد أن ساهمت في قتل الملايين من أبنائها في فلسطين والعراق وسوريا وغير ذلك من البلدان. وإذا كانت بلجيكا، وهي من الدول الأوروبية البعيدة عن خطر الإرهاب المباشر، قد قررت في الآونة الأخيرة الانسحاب من الحملة الدولية المغرضة على الإرهاب، متذرعة بأسباب اقتصادية، فلماذا لا يحذو الأردن حذوها؟! لعله يقي نفسه وأهليه نارا متلظية تشاهَد ألسنة لهيبها في الأفق المحاذي لأراضيه، لن تنجح كل مليارات الدول الغنية ووعودها في إطفائها إذا ما امتدت إليه، وقد تودي بوجوده نفسه إلى مستقبل مظلم مجهول.
وأخيرا، لا أملك إلا أن أعود إلى صاحبنا راغب علامة، مترنما بأغنيته التي أرجو أن يسمعها أهل الحل والعقد في عمّان، على افتراض تمتع هؤلاء باستقلالية القرار: لا تلعب بالنار، بتحرق صابيعك، واللي بيشتريك، بيرجع يبيعك…
د. خالد سليمان
أكاديمي عربي مقيم في كندا