تدخل الجزائر هذه الأيام ثاني انتخابات لها في ظرف عدة أشهر. مع وجود ظرف مالي لم يسبق أبدا في التاريخ أن توفر للشعب الجزائري. السؤال الذي يطرح نفسه. هل يمكن للجزائر الإقلاع اعتمادا على العقل والمال ومحاربة الفساد. ثلاثة أعمدة خرسانة لبناء دولة حديثة تدخل العالم الجديد كما دخلته دول مثل تركيا وماليزيا وكوريا الجنوبية وحتى اسبانيا والبرازيل وجنوب إفريقيا وغيرهم؟ هل يوجد رجال ونساء مفكرين يمكنهم تصور حلول اقتصادية واجتماعية ضخمة لتوديع سلاسل الأزمات لغير رجعة. هل يمكن محاربة المفسدين والفاشلين والقاعدين والعقول الفارغة. بالتمام هل صحيح أن الجزائر حالة ميئوس منها؟ إن ابتعاد الخيرين في هذا البلد عن تسيير أمور العامة بما يعنيه ذلك حاليا من تدهور القيم والفساد المالي والسياسي فتح الباب بمصراعيه أمام أشخاص غير كفوئين على الأقل ليست لديهم مؤهلات وأحاسيس تدفعهم لخدمة مصلحة الجماعة وبعضهم أكثر من ذالك تكن أنفسهم بحماس فياض ليس لمصلحة الوطن بل للوصول السريع فقط عن طريق الفساد للثروة والسلطة هذا لا يعني أبدا أن ليس بالجزائر ناس صالحين بل هناك انكماش للطبقة المصلحة وابتعادها وعدم اهتمامها بأمور العامة . لقد انتابتني الفكرة وأنا متكأ على صخرة من صخور الرومان في جميلة المدينة الأثرية بولاية سطيف وأتفرج على أولادي يمرحون بين مروجها وأثارها. بصري ممتد إلى أولادي وعقلي إلى الوراء 2100 سنة عندما حط المهندس الروماني بهذه الهضبة وسطر مخطط بنائها. طرق معبدة. شوارع حديثة. مجاري مياه احدث واشد مما يوجد في المدن الجزائرية. ومنازل بها غرف مزخرفة وحمامات وصالونات. ومسارح ومعابد ممتدة في الأعلى ترتبط بدروج عريضة تحفتها تدعو إلى الدهشة من تقدم هؤلاء القوم في ذالك الزمان الغابر وأول فكرة طرحها عقلي هو هل يمكننا بناية مثل هذه المشيدات اليوم من دون ان نتصل بالشركات اليابانية والصينية. لقد قال لي احد مهندسي الطريق السيارة – شرق غرب- وهو صيني ان تعبيدة هذه الطريق كان على أثر الطريق الروماني وكان يربط مملكة ماسينيسا القديمة ونوميديا بقرطاج ومن ثمة روما وكان هذا الطريق ينم بالحركة في أوج قوة الإمبراطورية الرومانية. الدليل المادي يؤكد ان الفساد كان قليل او منعدم في هذه الدولة التى نمت في الجزائر وان من كان يحكمها بغض النظر أن كانوا من أهل البلد البربر أو من الروم القادمين ليسوا مفسدين بل قوم مصلحين فليس بالفساد تقوم مدنية غائرة في أعماق التاريخ بل إن من كان يسيرها ويدفعها كان له حماسة خدمة الدولة والشعب وتأسيس الحضارة من العدم والاعتماد على العقل والعمل وكبح الفساد.مدينة كانت تنبض بالحركة في وسطها يوجد الفوروم والبنايات الإدارية لتسيير الشؤون العامة وبرلمان – الكيري- يجتمع فيه الجمع من اهل المدينة لانتخاب الشيوخ ومحاسبتهم لتسيير أحوالها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية. يعني منتخبين على الطريقة المباشرة الذين لهم دراية بأمور البلد لغة ومسرح وثقافة وفكر وهندسة وسياسة. أليس هذا تقدم فكري عظيم وتسيير محكم ودراية وحكامه قل نظيرها حاليا في الدول العربية بل منعدمة أو تكاد. ممثلين للشعب يحاسبون وهم من أهلها ومن أهل الكفاءات وأعمالهم الخالدة تأكد إخلاصهم وكفاءتهم. المهم ناديت أولادي وجمعتهم لأخذ صورة تذكارية ثم خرجنا من كويكول. دفعنا عشرون دينار للبواب وخمسون دينارا لحارس بارك السيارات المجاور ثم انطلقنا. لا تتصور كيف كان إحساسي لقد نسيت الحاضر واشتقت الرجوع إلى الوراء لأعيش مواطن في هذا البلد في ارض الجزائر أريد أن أكون محكوم من شخص أسس أبجديات الحضارة والديمقراطية شخص تدفعه غيرته وشهامته وحماسته الفياضة لبناء وطنه وحضارته. شخص يقذف حاملة نقوده في المهملات حتى يأكل شعبه هنيئا ويعيش سلما وتقوى شوكة بلده ثم يرجع ليحاسب من طرف الشعب ويسترد من المهملات حافظة نقوده لأن هدفه ليس المال من أجل المال كما هو شائع عندنا بل ان الإنسان المصلح في ذالك الزمان فهم ان الخلود الحقيقي هو شرف المشاركة في بناء حضارة وتشريف شعبه وتمكين العقل الذي شرف به الله الإنسان والخروج النهائي من منطق البؤس والجهل والإنكماش الذي يولد الحروب والإندثار . ربما يكون ذالك الرجل جزائري بربري في غور ذالك الزمن فأفتخر به. تنبيه: كل اباطرة روما القديمة من غير اهل البلد فقط كانوا بربر أشهرهم امبراطور روما ليكيوس سابتيميوس 193-211 من اصل جزائري بربري.مولف نورالدين – سطيف- الجزائر[email protected]