قراءة في أعمال الفنان التشكيلي أحمد بن إسماعيل: في تلقائية أشياء اللوحة وحميميتها

حجم الخط
0

إبراهيم أولحيانتقدم لنا تجربة أحمد بن إسماعيل الفنية مساحة شاسعة للتأمل والتفكير، لأنه ينجز أعمالا فنية يتشابك فيها الذاتي والجمالي، من داخل خلفية مرجعية ثرية، تلتقط عناصرها الأساسية من مسار حياتي يومي، لا يقصيه الفنان ولا يبعده، بل يستحضره، ويتركه يندس بشكل جمالي في لوحاته الفنية، إضافة إلى تجربته الفنية المتعددة والمتعالقة في زمن إبداعي يربو على أكثر من ثلاثة عقود من الإبداع المتواصل.. بتؤدة، وبعيدا عن أي تسرع، يشتغل أحمد بن إسماعيل، ويؤسس لمشروعه الفني، الذي انجلت ملامحه خلال السنوات الأخيرة.. فهو يدرك تفاهة ما يقع في الساحة الفنية، لذلك اختار هذا الهامش الذي يؤسس لمركز حقيقي، وإن كان ذلك يتطلب وقتا وصمودا وتضحية.. يهاب إقامة معرض تلو الآخر، لأنه يدرك تفاهة التسابق مع الريح، حيث كل ذلك يدور في حلقة مفرغة، وبدون أي سند فني يستدعيها، تعيش التكرار وهي بعيدة عن الاختلاف، الذي ينشده كل فنان يعرض أعماله، لذلك جاءت معارضه نقلات نوعية في مساره؛ أعمال ذات بصمة خاصة، وصفها إدمون عمران المالح، في سياق آخر، بـ ‘الصباغة الإسماعيلية’..لابد عند مقاربة هذه الأعمال الفنية، من استحضار هذا المسار الإبداعي، بكل تجلياته ومظاهره المتعددة؛ من التصوير الفوتوغرافي إلى الأعمال الصباغية، فليس هناك قطيعة بين المجالين، خصوصا أن بن إسماعيل لم يغادر الفوتوغرافيا هكذا فجأة، بل عبر الجسر إلى الصباغة بعدما جمع بين المجالين لمدة غير قليلة، في الفترة التي كان يقيم فيها بمدينة الدار البيضاء، رفقة مجموعة من الكتاب والمبدعين المغاربة والعرب، وخصوصا صديقه الروائي يوسف فاضل الذي ابتلاه بالصباغة، ومعه سكنه عشقها، ذات زمن بيضاوي جميل..هل من الممكن أن ننسى معرضيه الأساسيين في تاريخ التصوير الفوتوغرافي بالمغرب، وأعني بذلك العمل الفني المتميز الذي جمعه بالمخرج السينمائي محمد أبو الوقار: ‘حكايات صوفية’، بدآ الاشتغال عليه سنة 1987، وأقاما المعرض سنة 1990 بقاعة المعمل بالرباط، وبالمعهد الفرنسي بمراكش. عمل / تجربة متفردة اجتمع فيها الفوتوغرافي بالمخرج، ولم يكتفيا بالتقاط عناصر الواقع كما هي، بل كانت يد تشكيلية تلمس الموضوع لتدفع به إلى أبعاد جمالية أخرى.. وبذلك انبنى العمل على التصوير والتشكيل والإخراج.أما العمل الثاني في مجال الفوتوغرافيا فيتمثل في المعرض الذي أقامه سنة 1994 بقاعة باب دكالة بمراكش، تحت عنوان ‘آثار الليل’، اشتغل فيه على جمالية الليل، معتمدا في ذلك على أزقة أحياء مدينة مراكش العتيقة، هذه المدينة، مسقط رأسه، التي ألهمته، وأنتج عنها كثيرا من الأعمال، تابعناها في الجرائد والمجلات، كانت تنسج حكايات مدينة الأولياء المسكونة بعبق التاريخ، وبفتنة أصالة مفقودة في زمن بات يبدد، بذريعة حداثة مزعومة، هذه الأصالة.. هذا المعرض (‘آثار الليل’)، هو امتداد لكل هذه الأعمال، وإن كان يركز موضوعاتيا وجماليا على العتمة وما تنتجه من ظلال حولها، عبر خلفية أزقة دروب المدينة، والأضواء الكهربائية التي ترسل إضاءتها، وتخلق هذا التجاذب بين العتمة والضوء، فتوحي بسكون خادع، استطاع بن إسماعيل كشفه، والتقاط أسراره، في صور شكلت مجال حفريات عن آثار ليل مراكشي. صور تحتفي بالظل، وتمجد هذه العتمة النادرة، الصاعدة من ضوء ذاكرة يزحف في اتجاهها النسيان..هذه التجربة التي عرفت تلقيا ناجحا، واحتفاء من جمهور واسع، سيشتغل عليها أحمد بن إسماعيل مرة أخرى، في نفس السنة، لكن في إطار آخر، ليعطيها روحا تأويلية أخرى، وهذه المرة سيوظف هذه الموضوعة بصورها الليلية في منشأة instalation))، بسطح أحد المنازل العتيقة بحي سيدي بن سليمان الجزولي، حيث يوجد ضريح أحد رجالات مراكش السبعة، المسمى به هذا الحي؛ منشأة اشتغل فيها على عدد كبير من الشموع المضاءة، والموزعة بطريقة فريدة على السطح، وبجانبها صور ‘آثار الليل’، معلقة في حبال بعناية، وبرفقة هذا المشهد فرقة ‘كناوة’، بإيقاعاتها الروحية؛ مشهد صوفي بامتياز، لم يدم سوى ساعة واحدة من الزمن، جعل ألقه في الذاكرة لا ينطفئ..هذا العمل، بكل حيثياته، افتتن به الكاتب إدمون عمران المالح، فاقترح على الفنان أحمد بن إسماعيل عملا مشتركا، كانت نتيجته كتابا بعنوان ‘ضوء الظل’؛ نفس الصور الليلية يجاورها نص إدمون عمران المالح الذي ارتكز على كتاب ‘دلائل الخيرات’ لسيدي بن سليمان الجزولي، في تداخل مع عمل بن إسماعيل، وعلى الأجواء الصوفية للضريح، وما يحيط به من تداعيات روحية: عمل انبنت جماليته على هذا التراوح بين نص ‘دلائل الخيرات’ وصور بن إسماعيل التي يقول عنها المالح في إحدى ثنيات النص: ‘لقد محا أحمد بن إسماعيل أي فاصل بين الفوتوغرافيا والتشكيل، الذي يمارسه أيضا، فالصور الفوتوغرافية هي إذن مثل لوحات، تغري النظر بالتعامل معها كما هي، حيث اعتمد الفنان هنا، كأساس لعمله الضوء وظله اللليلي مفجرا بذلك إمكاناته التشكيلية..’ذات يوم، سيتخلى؟ ! الفنان التشكيلي أحمد بن إسماعيل عن التصوير الفوتوغرافي، ليتفرغ للصباغة، مركزا على تأسيس عالمه التشكيلي، الذي برزت ملامحه منذ فترة غير قصيرة، شاهدنا نماذج منها في الأعمال التي ساهم بها في تلك المعارض الجماعية داخل المغرب وخارجه. وبعد ذلك، وفي نفس المسار، أنجز أعمالا كثيرة شكلت المعرض الذي أقامه سنة 2004 بقاعة مرسم بالرباط، وسيستمر في هذا الاتجاه مطورا أدوات عمله، مهتما بفضاء لوحاته، وبتوزيع خطوطه وأشكاله، باحثا عن إيقاع آخر لعمله، ستظهر خصوصيته في معرض 2010 بقاعة Noir sur Blanc)) بمراكش، حيث سنلاحظ فعلا هذا الانشغال بتجاوز مرحلة نحس أنها كانت خلفية حقيقية للوحاته الجديدة، بل هي اشتغال عليها، وتعميق لمكوناتها. لنتقدم، إذن، نحو العمل التشكيلي للفنان أحمد بن إسماعيل..لكل تجربة فنية بدايتها / بداياتها، التي تؤسس لبناء عمل فني له معالمه الخاصة، تؤثثه مجموعة من الآليات، وتنصهر فيه مكونات تصير، مع الوقت، أحد دعائمه الأساسية.. تتلاشى أشياء مع الزمن، وتبقى عناصر تقاوم وتعاند، وهو ما يمكن أن نسميه الأثر؛ نعم هكذا: الأثر الفني، الذي لا نقبض عليه في اللوحة الواحدة، ولا حتى في العمل الفني للفنان في مرحلة معينة، بل هو كل ذلك؛ أي العمل الفني في مساره الزمني وامتداداته، في تحولاته وتقلباته، في تبدد عناصره وتغيراتها، وفي ما تبقى ويشير إلى المستقبل..في كثير من التجارب الفنية نحس هذا العناء، وهذا الامتداد، وحياة الفنان غير منفصلة عن عمله بطبيعة الحال.. هذا ما ندركه أيضا في تتبعنا لتجربة الفنان أحمد بن إسماعيل الصباغية، ونرى أن هذه التجربة تقف على ثلاث مراحل أساسية: وهي المرحلة التي كان يقيم فيها بمدينة الدار البيضاء، كان يعتمد فيها على الخط العربي، لكن في الاتجاه التزييني، لأن محاولاته كانت ترتكز على إتقان الخط بشكل تجميلي، انطلاقا من أشكال هندسية مصممة بشكل دقيق، مع تواجد مجموعة من الرموز والعلامات، وهيمنة للكتابة في هذه الأعمال. وحينما نتأمل هذه المرحلة نجدها محتشمة، ومتأثرة ببقايا طفولة الفنان في المسيد، خصوصا الكتابة على اللوح بخط أنيق، مع إبراز عناصره واستقامتها..اشتغل الفنان في هذه المرحلة على مجموعة من الأشكال المستوحاة من مدينة مراكش، مثل: الصومعة، الأضرحة، القباب، أسوار المدينة… إضافة إلى مجموعة من العلامات والرموز والأرقام، يشتغل عليها الفنان بشكل تجريدي، لأنه يقوم بتشويهها والعمل على إعطاء الانطباع بأن رعشة يد طفل هي التي وضعتها. وتميزت هذه المرحلة، التي بدأ فيها عمل بن إسماعيل يطفو إلى السطح، بمحاصرة الفراغ، بتكثيف اللوحة وملئها بالألوان المختلفة، والكتابة بالحبر، وهي كتابة طلسمية في امتزاجها بالمكونات الأخرى للوحة؛ تحيلنا على عالم السحر بآلياته وعلاماته وأشكاله المعروفة.. تجربة تستوحي فضاء مكتبة الفقيه والد الفنان المولع بقراءة الكتب التراثية القديمة، والمخطوطات باختلاف أشكال الحرف التي كانت تنسخ بها، وخصوصا أثر تلك اللحظة التي تبدو فيها الخطوط غامضة، ولا يمكن تشفيرها..لعل هذه المرحلة هي التي تشكل فيها تصور الفنان لعمله، وبدأ فيها البحث الحقيقي لتطوير الاشتغال على الآليات والمكونات في الأعمال السابقة. فأحمد بن إسماعيل يحاول استثمار أشكاله وعلاماته ورموزه، لكن بإيقاع آخر، وبطريقة تركيبية مغايرة.. هنا بدأنا نحس شجاعة وجرأة في التعامل مع فضاء اللوحة. فكثير من الأشكال التي كان الفنان يستعملها بشكل مصغر، تظهر مهيمنة، وذات تمركز مقصود، والخطوط أضحت عفوية، تبرز فيها حركية ذات تلقائية خاصة، تتجاوب مع الأشكال والألوان، وتجعل الرائي يدرك فعلا عمق الصنعة.. ومن خلال تتبعنا لعمل بن إسماعيل، نرى أن هذه المرحلة عرفت مجموعة من الانتقالات؛ يعني أنها بدورها تنقسم إلى حلقات متسلسلة، لكن داخل نفس الدائرة.. ونحس هذا الجهد، وهذا العناء للخروج من اللوحة الجميلة، اللوحة التزيينية، إلى لوحة فنية يبرز فيها الجميل بالتخلص من الألوان المختلفة، ومن الكثافة، ومن الأشكال المزدحمة، والالتجاء إلى البساطة والخفة والشفافية..لقد بدأ الفنان في أعماله الأخيرة – التي اطلعت عليها في محترفه يعتمد المحو، سواء بالتخلص من مكونات أعماله السابقة أو داخل اللوحة نفسها، بتبديد كل ما أنجزه بإخفائه بلمسة صباغية شفافة، والعمل عليها بتكثيف لونها، حتى لا يبقى مما أنجزه في الأول سوى ظلاله، حيث يتوارى ليترك أثرا يدل على حضوره، لكن بشكل جمالي، يعطي للعمل الفني أبعادا جمالية وتأويلية، من خلال تلك الطرسية التي ينبني عليها العمل. وبطبيعة الحال فكل عمل صباغي يحتاج إلى مواد خاصة به، تسهم في تكوينه، وتشكل تضاريسه، وأحمد بن اسماعيل يشتغل بالمواد البسيطة، غير المكلفة، مثل المواد الطبيعية؛ المواد النباتية غير المصنعة، وقد حافظ عليها منذ البداية، بإضافة، مواد أخرى غير طبيعية مثل الرخام الذي يعتمد عليه في بنية اللوحة لتهييئها، ليصبح فيما بعد مادة عمل ضمن مواد أخرى، إضافة إلى المساحيق الملونة، التي تساعد الفنان على استخراج ألوانه الخاصة المناسبة، وهي ألوان، غالبا ما تنفلت من التسمية، وتقترب من ألوان الأرض.. ألم يؤكد إدمون عمران المالح على أن بن إسماعيل يمتلك ألوانه الخاصة؟ سماها كما سبق ذكر ذلك بـ ‘الصباغة الإسماعيلية’. وبذلك فأحمد بن إسماعيل يميل إلى استخراج اللون البني في تدرجاته (المفتوح، الغامق… ) والاشتغال عليه باعتباره أس الألوان، في تمازجه بالألوان الأخرى في تنويعات صباغية يفرضها العمل. ومن البدهي أن كل ذلك يخدم رؤية الفنان ودلالات أعماله..تستمد أعمال أحمد بن إسماعيل الفنية قوتها أيضا من ارتكازها على ذاكرة غنية، ومتعددة، ذاكرة ذاك الطفل الذي كان يلهو بجد في أزقة المدينة العتيقة، ويضع خربشاته على حيطانها؛ يرى ويكتب، يمتص كل تلك العلامات والرموز والأرقام في امتداداتها، وما تبقى منها استحضرته أعماله بدون وعي منه، لتستوطن جميع لوحاته، في لعبة تركيبية خاصة بالكبار، تجد توازنها الخارجي في تصميميتها المتناسقة، والداخلي في إيقاع جسد الفنان الذي، عبر آليات نفسية معقدة، يحتفي بالرغبة، نعم ‘هذه الكثافة الشعورية المشحونة بالصور والأشكال والاستهامات والتمثلات والمشاريع’ (روجيه دادون).. من منا ينفلت من رؤية الجسد في أعمال بن إسماعيل؟ ليس الجسد بأعضائه، بل برغباته وأحلامه وأوهامه، في اتجاه يقودنا إلى أن نعي تلقائية أشياء اللوحة، لا اعتباطيتها، ويجعلنا ندرك التناغم والانسجام الجمالي، وهو سر انجذابنا نحو هذه الأعمال، وإحساسنا بالدنو من عالمها..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية