الجدار العازل بتونس مرفوض

حجم الخط
1

حين تبدأ تونس فعلا ببناء الجدار العازل بينها وبين ليبيا فسيكون الاول من نوعه في العالم العربي، والثاني في الشرق الاوسط. وسيضيف مصداقا آخر لتفتت الامة وانعزال اجزائها عن بعضها. فعندما قام الكيان الاسرائيلي ببناء الجدار العازل في الضفة الغربية ارتفعت الصيحات ضده نظرا لما يمثله من تراجع للقيم الانسانية وما يرمز اليه من تمييز واضطهاد. فلقد استبشر العالم عندما هرع المواطنون الالمان في العام 1989 لهدم جدار برلين الذي بني في 1961 في ذروة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية.
يومها كانت المانيا مقسمة بين شطرين: شرقي شيوعي وغربي رأسمالي. كان ذلك الجدار يمثل للكثيرين مدى ما يمكن ان يصل اليه الخلاف الايديولوجي بين الامم، وكيف ان الشعوب الواحدة تنقسم على نفسها بسبب الخلافات الايديولوجية بين حكامها، وتشيد جدرانا عازلة في ما بينها لاسباب ليست من صنعها. ففي لحظة تاريخية ضاغطة يرى السياسيون انفسهم مدفوعين لبناء الجدران بين شعوبهم، ولكن سرعان ما تصبح رمزيتها بعبعا مرعبا ومقززا للشعوب نفسها. فالحرية تحتاج لفضاءات واسعة تتجول فيها النفس البشرية وتكره ما يفرض عليها العيش بين الحيطان التي تحاصر البشر والقيم الانسانية.
الجدار المزمع بناؤه في تونس له هو الآخر رمزيته المقززة. فلا شك ان هناك ظروفا قاهرة اضطرت اصحاب القرار وعلى رأسهم رئيس الوزراء التونسي، الحبيب الصيد، لاتخاذه في إثر تصاعد التهديدات الارهابية من المجموعات المسلحة وآخرها الاعتداء على فندق «امبريال مرحبا» بمدينة سوسة، الذي ادى لقتل قرابة الاربعين شخصا.
واذا كان الجدار الاسرائيلي يهدف لعزل الفلسطينيين ومحاصرتهم ضمن المناطق الخارجة عن ايدي الاحتلال، فان جدار تونس سيكون عازلا بين شعبين شقيقين عاشا في وئام منذ القدم. فما الذي ادى بالامة للوصول إلى هذا المستوى من التباعد بين مكوناتها؟ قد يصاب الكثيرون بالاحباط من هذا القرار نظرا لرمزيته المرعبة، ولكن من المهم ان تطرح التساؤلات عن الظروف التي اوصلت الامور إلى هذا المستوى من الانحدار. وباستقراء تلك الظروف يمكن القول ان جدرانا اخرى سيتم تشييدها في بلدان عربية عديدة كمصر، وربما العراق وسوريا. بل ان اليمن نفسه قد لا يسلم من ظاهرة تصاعد الرغبة في عزل مكوناته عن بعضها. ولا يبدو ان قرار تشييد جدران على غرار الجدار التونسي سيفاجىء الكثيرين بعد ان تم تشييد جدران اخطر بين الشعوب، تمثلت بغرس الحقد بين ابناء الامة الواحدة وفق خطوط التمايز الديني والمذهبي. وسوف يسجل التاريخ ان دولا ومجموعات ساهمت بشكل عمد لتفريق امتي العرب والمسلمين لاهداف سياسية رخيصة، وبذلت الاموال وسخرت الإعلام لتحقيق ذلك. المصيبة الكبرى لم تعد منحصرة بالقتل العبثي الذي تئن شعوب الامة تحت وطأته، ذلك القتل الذي تتوفر امكاناته البشرية بدون انقطاع، بل بالقبول العام لآلة القتل هذه، وقدرتها على استدراج الكثير من علماء الامة ومفكريها. فعلى مدى اربع سنوات تواصل النفخ في البالونات الطائفية حتى خيل لمن يجهل تاريخ الامة ان الاسلام لم يأت للبشرية الا بثقافة الموت والتكفير والاقصاء. فما أخطر هذا الاستنتاج وابشعه. فالدين الذي صنع للانسانية اكبر حضارة انسانية تواصلت اربعة عشر قرنا، هل يختصر تاريخه اليوم بما تقدمه مجموعات التطرف والقتل والتكفير من امثلة سيئة في الاقصاء والعبثية والجهل والتطرف؟
المشهد قبل عام كان مختلفا تماما عما هو عليه اليوم. ففي مثل هذه الايام من السنة الماضية لم تخف قطاعات واسعة من ابناء الامة فرحها بتوسع نفوذ المجموعات المسلحة في العراق، واحتلالها مدينة الموصل بدوافع واوهام صنعتها مخيلة اعداء حرية شعوب المسلمين واستقلالها ووحدتها. من خلال تفصيلات العملية الارهابية التي استهدفت المصلين بمسجد الامام الصادق بالكويت الشهر الماضي اتضح بعض خيوط شبكة العلاقات بين المجموعات الانتحارية. وهذا امر جيد، ولكن كيف تم ذلك؟ المسألة هنا اصبحت مصدر قلق كبير لحكومات دول مجلس التعاون. فهذه الحكومات تعرف ان وجود المجموعات المسلحة ضمن حدودها سيؤدي إلى تكرر ما حدث في الكويت. صحيح ان الحادثة وقعت ضمن المخطط الطائفي هذه المرة، ولكن من يضمن ان العمليات المستقبلية لن تطال بقية مكونات المجتمع؟ أليس هذا الوباء كالنار التي تصل إلى كافة انحاء المنزل خصوصا إذا كان بناؤه هشا، ما لم يتم احتواؤها حال اندلاعها؟
اليوم توسعت مصاديق العزل بين مكونات أمة العرب والمسلمين. كانت ظاهرة التكفير محصورة في اطرها بالمكونات المذهبية لهذه الامة، ولكن اضيف لها الارهاب الذي لا يعترف بدين او مذهب او عرق، فاذا به يعبر الحدود كالنار ويصل إلى نيجيريا وتونس والجزائر والمغرب ومصر غربا، وسوريا والعراق والمنطقة الشرقية من الجزيرة العربية وباكستان وافغانستان شرقا، بل ان ماليزيا التي شرعت في السنوات الاخيرة قوانين تحظر الانتماء للمذهب الشيعي، اصبحت تشكو من وصول عناصر ارهابية إلى اراضيها. ان كل ظاهرة منافية للقيم الجوهرية للانسانية والدين مصدر للمزيد من الازمات والامراض. هذه حقيقة كان جديرا بالعقلاء ادراكها. فاذا لم يتم استيعابها تحولت لخطر على داعميها. فالوباء لا يمكن حصر دوائره وحدوده، والنار لا يمكن حصرها بدائرة ضيقة مع وجود النفخ المتواصل فيها. ومن كان يضخ روح التطرف والارهاب والتكفير في جسد الامة المنهك، يتحمل مسؤولية ما بلغت اليه الامور، ولا يمكن تبرئته من بروز ظاهرة بناء الجدران العازلة التي اصبحت المصداق المنظور لتمزق الامة وتفتتها وضعفها.
من يمارس القتل خارج القانون تجاه من يختلف معه دينا او مذهبا او فكرا لن يتردد عن مواجهة الحكومات التي ساهمت في دعمه وتشجيعه. بعد هذا فهل هناك عبر من التجربة التونسية الاخيرة؟ الحقيقة التي برزت، إلى جانب خطر التطرف والارهاب والتكفير، ان بالامكان اقتلاع هذه الظواهر إذا كانت لدى الانظمة السياسية ارادات قوية. فبعد ما جرى في تونس من تصاعد اعمال العنف وتفجير فندق سوسة كثفت الحكومة جهودها ضد تلك المجموعات، واعلنت مؤخرا انها تمكنت من القضاء عليها. فالتونسيون يعرفون ان الارهاب الذي ضرب بلدهم سيضرب واحدا من اهم مصادر الدخل القومي. وتكرر استهداف السياح وجه ضربة موجعة لقطاع السياحة. وبعد مقتل ثلاثين من السياح البريطانيين اعلنت حكومتهم وقف السياحة إلى ذلك البلد، واتخذت بقية الدول الغربية اجراءات مماثلة. وادرك التونسيون انهم يدفعون ضريبة التحول الديمقراطي برغم نجاح قوى الثورة المضادة في تحجيم ذلك التحول واقصاء التيار الاسلامي مثمثلا بحركة النهضة عن الحكم. ومن المؤكد ان تلك الخطوات كانت محاولات لاحتواء التجربة الوحيدة التي احتفظت بشيء من انجازات الثورة.
ان سياسة بناء الجدران تجسيد عملي مؤلم لثقافة الاقصاء والتقسيم التي تروج بعناوين بذرائع مختلفة. والامة التي تقبل بغرس مشاعر العداء والتوتر بين ابنائها لا تستطيع النهوض. تتميز امه كهذه بغياب حكم القانون وسيادة ثقافة الاستئصال بدلا من سياسات الاحتضان والتضامن والوئام ضمن المنطق الانساني والاسلامي الداعي للحوار والتفاهم والتعارف والتعاون على ما فيه خير الامة. وبرغم مخاطر الارهاب الا ان تشييد الجدران العازلة لا يمثل حلا، بل يكرس الظواهر السلبية التي تعمق الفرقة وتقضي على وحدة الشعوب وتجانسها، وتستبدل قيم الحب والتضامن بمشاعر العداء والتباين وتلغي مقولات الامة الواحدة والمصير المشترك، فهل هذا ما تريده امة العرب والمسلمين؟

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية