أخذتْ تسترجع في ذاكرتها كلَّ ما رأته، قبل أنْ تمعن النّظر لتزداد يقينًا بأنَّ شقاءها غدا ناجزًا: كيتي ترى في وجه فرونسكي «الّذي لا يناله التّأثّر أبدًا»، تعبير الهلع والتّذلّل. وترى أنّه وآنّا يشعران بوحدتهما في قاعة حفلة راقصة غاصّة بالنَّاس. خلقَت الرّؤية في كيتي يقينًا، استحالَتُهُ عند فرويد، هو المسوّغ الوحيد لمعاناته: «الشّيء الوحيد الّذي يؤلمني هو عدم تمكّني من البرهنة على حبّي لكِ». إذ، لا برهانَ مؤكِّدًا يقدّمه لمن يحِبّ علامة على حبِّه له، وقبل ذلك، لا علاماتِ مؤكِّدةً أنَّ ما به حبٌّ أصلًا.
ربّما لن تنضج قبل أنْ تعي غيرَ محسودٍ، بأنّه ما من يقينٍ مطلقًا، لا في الحبِّ وحدَه، بل في كلِّ ما سواه. ولأنَّ الحياة بالانعدام الكليِّ لليقين، لا تُحتمَل، كان لابُدَّ من انتزاع برهان ما، ولو كذِبًا بالحسِّ مثلًا. عند كيتي بالرّؤية، المُبرّأة من الكذب: من التّخييل والتّلبيس من الحواسّ، لمحمّد دون سواه من البشر الضّعيف الشّاكِّ حدَّ الإنهاك، بنصٍّ إلهيّ، قد تركن إليه متوهّمًا أنّه يخصّكَ من فرط التّعب: (ما كذبَ الفؤادُ ما رأى).
قيل: «إنّما يقال للقلب الفؤاد إذا اعتبر فيه معنى التّفؤُّد: أي التّوقّد»، ممَّ؟ من كلمات: محض أصوات.
كذِبٌ كانت تلك الشّفقة على راقصة نزار الّتي تعود ولا شيء معها سوى كلمات؛ فهي لم تعُد بقليل أبدًا: زوجٍ من الاستعارات ترك بياتريس ساعي البريد، بأنفاس مضطربة، رطبةً كنبتة، بسخونة؛ بزائرة المتنبّي الحيّية، تلك الّتي يتّسع لها التّأويل بهيًّا بهاء صاحبها.
كلمات، كلمات، واستجابة فيزيولوجيّة عند بهيٍّ آخرَ، رجع بكلمات «يرجف فؤاده»، قالت فيه عائشة: «ولقد رأيته صلّى الله عليه وسلّم ينزل عليه الوحي في اليوم الشّديد البرد يفصم عنه وأنّ جبينه ليتفصّد عرقًا».
نزار، لا يعوّل على ما يرى، يريدُ انتزاعَ تصريح من حبيبته: «قولي أحبّكَ»، كلمة واحدة توكيدا لا يحتمل التّأويل. يبحث نزار عن نصٍّ ليوقن، ولذلك يجب عليها أنْ تقول، وبمجرّد تصريحها، حقيقةٌ ما تُوجد ولو إلى حين.
عرف نزار ربّما، أنَّه لا بُدَّ من نصٍّ إلهيٍّ، يقينٍ تصير بها كتابته حقيقةً ما، كما كتب مجازًا، تنزيلًا. حينئذٍ ينتصر، كما غنّى كاظم: إذ يصيرُ بكلمة واحدةٍ بين العاشقين رسولًا.
كاتبة أردنية
مروة شواش