يضيء لنا قانون الطاقة المتاحة الفيزياوي، الذي ينص على أن تطويح أحدنا بأحجار الدومينو أو إعادة ترتيبها في علبتها، هو نوع من زيادة حالة لا نظام الكون، لأنه في كلا الحالتين مضيعة للجهد، لأن الطاقة المتاحة هذه محكوم عليها بالزيادة أبدا وحتى نهاية الكون.
وهذا يعني أن علينا، لكي نخرج من أسر هذه الطاقة، أن نسيطر على قانونها وأن نتحكم به، أي أن هذه السيطرة جزء من الحل، حل إشكالية وجودنا العيني في هذا الكون، هذا الوجود الذي يتفق الجميع على كونه بحاجة للمزيد من التنظيم الذي يبدد الغبش من على حالة قيامه في هوة فراغ الحياة أو عدم صلاحيتها في شكلها الحالي.
الفلاسفة (الوجوديون منهم على وجه التخصيص) والروائيون والشعراء يقولون لا، ببساطة لأن المشكلة في مكان آخر من الأساس، وهو بالتأكيد غير المكان الذي يتحدث عنه اللاهوت وسدنة المعابد أو رجال الأكليروس.. أين هذا المكان إذن، وهذا السؤال الذي يصرخ به الجميع، وهو بالتأكيد من حقهم.
ولإتمام صياغة الهيكل النهائي لهذه الفرضية، علينا أولا النظر في الاتجاه الذي يشتغل عليه تأريخ الإنسان، والوصول إلى قرار نهائي بشأن جدية وجدوى هذا الاتجاه، وتكوين حكم نهائي بشأنهما ثانيا.. ورغم أن هذا الاتجاه مشرق في كثير من جوانبه، إلا أن جوانبه القليلة المتبقية محكومة بالتأرجح والتخبط في منتصف الطريق، وهي الجوانب التي تعيد الإنسان إلى خط البداية، في كل مرة توقف لالتقاط الأنفاس فيها، والعودة للبحث عن مبررات لاندفاعاته في ظلال المعابد وتمتمات رجال الكهنوت؛ وفي أغلبها يضطر لإشعال شمعة لجهة ما وملء رئتيه برائحة بخور، تتفق ماركات العطور الفرنسية على بدائية وتخلف ذائقتها، وتقول بعض صفحات الطب الحديث بإضرارها بالجهاز التنفسي.
وبلغة وروح أخرى، جاء اللاهوت ليفند المقولة الرومانية القديمة: «الانسان إله في منفى» وليجرده من كل شيء، وليس من تلك الإلوهية وحسب، وليتركه عاريا في ذلك المنفى ومجردا من أهم أسلحته: حريته، بعد أن حكم عليه بالقدر وبالإرادة الفوقية التي تتحكم في كل شؤونه، والتي ستقوده في النهاية إلى الجحيم في ما لو فكر في استعادة حريته فقط، وليس ماضي إلوهيته، ذلك الشيء الذي استكبره عليه اللاهوت بصورة قاطعة وأبدية.
لقد أحال اللاهوت الحياة، مفهوميا وفلسفيا، إلى عبء ثقيل وتكرس هذا الفهم حتى تحول إلى ثقافة عامة متراكمة في وعي الإنسان الباطني، أي أن المجموع البشري العام تقبل هذا الفهم أو هذه الثقافة مقابل قلة قليلة جدا من الفلاسفة والشعراء والفنانين الذين رفضوه وقاوموه؛ فلم تقبل المجموع هذا الفهم وتعايش معه؟ أبسبب العجز والخوف؟ لقد كان الثمن باهظا جدا: الحرية وإرادة الفعل… رغم أن الجميع تساؤلوا، كما أوجز الرومانسيون: لم أخفقت الحياة؟
أخفقت الحياة بسبب الإذعان.. بسبب تخلي الغالبية عن حق التجربة والممارسة واختبار الممكنات بدل الاستسلام للرؤى الجاهزة التي اقترحها لاهوت الاكليروس.. فالغابة كانت تتوفر على غير تفاحة المعرفة وورقة التوت، وعلى غير إبليس والأفعى لمن كان يريد البحث والتقصي، بدليل ـ وهذا لتقريب الفكرة لا أكثر ـ أن سفينة الإنقاذ من الطوفان حشرت بآلاف المخلوقات السابقة، التي لم توجد في لحظة الطوفان من أجل أن تحشر في السفينة فقط
أهكذا أخفقت الحياة؟
هذا في حدود الفهم التوراتي أو اللاهوتي الذي يستوجب إعدام مسيح جديد على رأس كل حقبة إخفاق تبلغ حافة اليأس، أما فيما عداه، أو على الجانب الثاني فيقول كولن ولسن: أعطهم إحساسا بالهدف، بشيء يجذبهم للاستغراق الحي، من دون حاجة لنظام خارجي.
إذا المشكلة في النظام الخارجي المتسلط أو المقحم بالقوة على الصورة؟ ولكن هل جاء هذا النظام الخارجي من فراغ وفراغ تام؟ نعم هو شوه وضخم، ولكن، وعلى ما يبدو أن له بذرة ما في مكان ما… ولكنها بالقطع، وهذا ما يتفق عليه معظم المفكرين والفلاسفة، هي ليست بذرة اللاهوت التوراتي واكليروسه بالقطع.
حان الآن الوصول إلى هذه العتبة، وترك الغابة الزرقاء خلف ظهورنا، وعبورها بكل ثقة لتكون (حقبتنا) المقبلة من دون (مسيح)، يصلب أو يشنق بحبل أو يفجر رأسه بطلق ناري، لنأخذ (الغلط) إلى أقصاه قبل إمكانية محاربته، كما يقول (بلاك).
وهذا لا يعني أن (الغلط) أصيل بل هو طرف معادلة التكوين والنشوء الطبيعي للمعنى (بمقصد سارتر في مقولته « كتب على الإنسان المعنى») كوجود الذهب أو تبعثر وجوده بين أكوام الحجارة والأتربة، أو وجود الماء الذي نشربه ونحتاجه لشؤون حياتنا اليومية مخلوطا بالطين وعشرات من المواد الأخرى والأحياء المجهرية المضرة بحياتنا.. وهذا يعني أن هذا الوجود الدائم هو الذي أعطى الغلط، كباقي مواد الطبيعة، أصالة الوجود لكي يمنحنا شعور أمان الخروج من الفوضى أو تجاوزه، الغلط أعني.
غابة اللاهوت الزرقاء، (نسبة إلى نقاوة الدم الملكي الأزرق)، كانت هي الطارئ والمفتعل لأنها أحالت بين الإنسان ومقدرته العقلية على الإدراك المباشر والذاتية المباشرة والأصيلة، وليس الذاتية العرضية التي هي صفة الحيوان، الذي يحتاج القياد دائما، فقد كانت حاجتها قائمة على تهميش ذاتيته أو جعلها عرضية، كذاتية الحيوان، ليسهل على مؤسسته ـ اللاهوت ـ قياد الإنسان وتوجيهه الوجهة التي تخدم مصالحها وتديم سلطانها.
ولكن هل وفى عمر البشرية الحالي بأخذ الغلط إلى أقصاه؟
من خلال مراقبتي الشخصية لسلوك بعض الحيوانات وجدت أن أغلبها تتعلم، أو لنقل إنها تتعود على بعض السلوكات والمهام التي يعلمها الإنسان إياها وبإتقان، وهنا لا أقصد جهود مدربي السيرك بل أقصد جهود التغيير السلوكي بمعناه (الأخلاقي) الخدمي، في حين عجزت خمسة آلاف سنة من عمر اللاهوت عن تغيير شيء من طباع البشر، تغييرا حقيقيا، أو تهذيب اندفاعاته ونزقه وجريه خلف مصالحه بكل الطرق غير المشروعة.. بمعنى أنه مازال يعصي أو يخالف الوصايا العشر، رغم ادعائه الإيمان بها، كل يوم وبكل ما أوتي من تصميم وحذق وبمنتهى القصدية؛ فالإنسان مازال يسرق، رغم اكتفائه المادي؛ ومازال يخون… ومازال يكذب… و… ويكفي أن ينقطع التيار الكهربائي لمدة نصف ساعة عن أكثر المدن تحضرا ورقيا وسنجد أن أهلها سيغرقونها في كل أنواع النهب والسلب وفنون القتل والاغتصاب والجريمة… لماذا وأين الخلل؟ أهو في تركيبة الإنسان أم أن مطالبات اللاهوت التي لا تنسجم مع حقيقة فطرته وتناقضها تناقضا لا يمكنه من التنازل؟
والمشكلة طبعا ليست هنا، ولا في لوم جهة من الجهتين أو في تحميلها المسؤولية، إنما المشكلة في الطرح وطرق المعالجة من الأساس.. بمعنى إنها الإصرار على إلغاء الفكرة الأساسية من جدوى اللاهوت، والتي لخصها الفيلسوف الفريد نورث وايتهيد بقوله: الدين هو ما يقوم به الإنسان حين يكون وحيدا.. وهذا يعني أن الدين غير ما يمارسه اللاهوت وغير تعميماته الطقوسية، لأن الأديان مؤلفة من ذواتها بدافع حيوي لا بناء، كما يقول أرنولد توينبي، في نهاية كتابه «دراسة التأريخ».
كاتب عراقي
سامي البدري