في روايته ما بعد الحداثية «كائن لا تُحتمل خفته»، يصوغ التشيكي ميلان كونديرا صورة جديدة في بناء هوية الراوي. فبعد تقديم الثنائيات الضدية وعدد من المفاهيم الفلسفية التي وضعها نيتشه وبارمنيدس، يقدّم الراوي نفسه بصورة لافتة عند استخدامه ضمير المتكلم «أنا». فيتساءل القارئ إن كان ذلك الراوي إحدى الشخصيات الأربع الرئيسة في الرواية: توما، تيريزا، سابينا وفرانز. ومع ذلك، فإنه سرعان ما يتحطم هذا الافتراض لحظة عرض الراوي تفاصيل غاية في الدقة والخصوصية عن الشخوص الأربعة، وعليه يبدو أن الراوي لا يمكن أن يكون راوياً تقليدي القصّ، وإنما راوٍ عليم مُشكل ينتمي لتيار ما بعد الحداثة، فيتأرجح بين أكبر ثنائيتين ضديتين في الرواية ألا وهما الثقل والخفة.
ينماز الراوي في «كائن لا تحتمل خفته» بعلو ووضوح صوته المسموع الذي يفرض كينونته على القارئ والسرد، يقول: «لقد كنت أفكر من توما». فيعتمد الراوي زمن المضارع التام المستمر لعرض عملية تخليق الشخصيات الورقية. ومن ثمّ يعود مرتكز ثقل الراوي إلى وظيفته كمتحكم في الشخصيات الروائية، فيصف الراوي أول اجتماع بين توما وتيريزا قائلاً: «وكان قد اجتمع لأول مرة بتيريزا نحو ثلاثة أسابيع مضت في مدينة تشيكية صغيرة، فبالكاد أمضيا ساعة معا، ثم رافقته إلى القطار، ثم بعد عشرة أيام قامت بزيارته. ثم مارسوا الحب في يوم وصولها». يقول الراوي بشأن طبيعة الشخصيات الورقية: «لا تولد الشخصيات من رحم الأم!، وإنما من عبارة محفزة أو اثنتين أو من موقف أساسي». وعليه فتخليق الشخصيات يتبع نمطا وسيمترية محددة، حسب توظيف الرموز والموتيفات المصاحبة. يتبدّى إذن أنّ للراوي السيطرة المطلقة على خيوط الحبكة السردية. فلا يتبع السرد خطاً زمنياً كرونولوجياً ولكن على العكس من ذلك فهو متشظٍّ إلى أجزاء وقطع، على القارئ نفسه أن يعيد تجميعها وترتيبها. وفي ظل وجود سيطرة الراوي على السرد، يقوم بتنظيم الأحداث؛ فأحيانًا يؤخر بعضها ويظهر أخرى قبل ترتيبها الكرونولوجي، مثل تجربة تيريزا السلبية مع أمها، التي أظهرها بعد عدة فصول متأخرة عن موقعها الزمني. ويوظف الراوي بضع جمل استشرافية تتنبأ ببعض الأحداث مثل «سوف نرى» أو « سيرى الواحد لاحقا». وبالتالي، فإن السرد حاضر بكليته في عقل الراوي؛ فلا ينصبّ اهتمام الراوي على الأحداث التي تُحكى بقدر توقيت وكيفية تكشّف تلك الأحداث.
تبدو الشخصيات وكأنها دُمى في يد الراوي، إذ يتلاعب بحيواتهم وينفذ إلى عقولهم يحدد الراوي لكل شخصية متى وكيف تظهر أو تختفي أو تتقاطع مع شخصية أخرى ويخلق الظروف المصادفة لتجميع تلك الشخصيات معاً. ونتيجة لذلك يقع القارئ في الخلط ما إذا كان ذلك الراوي المخاتل وهمياً، أم إنّه ميلان كونديرا ذاته. ونتيجة لذلك، تؤثث الرواية العلاقة بين العالم الروائي المتخيل والعالم الحقيقي ليعرض الراوي كيف أنهما يتعاشقان في العمل الأدبي الواحد. وعليه، تمتلك الرواية ميزة ما بعد حداثية بامتياز عبر تقنية الـ»ميتا سرد» وهو السرد عن السرد. فيناقش الراوي متأملاً عملية تخليق شخصياته الورقية، الأمر الذي يجعل الراوي فريداً من نوعه هو الآخر لأنه نفسه راوٍ وهمي. ولذلك تشبه الرواية الصناديق الصينية، إذ يوّظف كونديرا راوياً وهمياً لرواية الأحداث ثمّ يروي هو بنفسه عملية خلق الشخصيات الوهمية. وهكذا يربط الراوي بين الحياة والتخييل ولاسيما في سؤاله الأكثر وجودية عن حياة الإنسان باعتبارها نوعا من الأحماء الذي يعقبه الموت مباشرة.
يتبدّى تأثير صوت الراوي في تلقي القارئ للنص، لاسيما وأنه يعرض لكثير من المعتقدات الأيديولوجية وآرائه عن الحياة. فصوت الراوي يبدو أحادياً «مونولوجيا» كونه يمثّل قوة الجذب التي تدفع بأنفه الكبير في كل صغيرة وكبيرة. ومع ذلك، فإن فرضية كهذه لا تلبث أن تتلاشى عندما ينتبه القارئ لحقيقة دور الراوي. فالراوي لا يقدّم سوى أسئلة بلاغية، سواء عن الفرضيات الفلسفية أو الشخصيات الأربع الرئيسة، فيتقمّص الراوي دور القارئ في نهاية المطاف ويقدّم تفسيرات متعددة فاتحةً الطريق لعدد لا نهائي من القراءات، مما يخلخل القوة الجاذبة ومركز الثقل لدى الراوي. وعلى الرغم من أن الشخصيات لا تمتلك صوتاً مستقلاً خاصاً بها، لأن الراوي هو الذي يروي كل شيء بصوته، ولكنه لا يحتفظ لنفسه بالكلمة الأخيرة. فالراوي نفسه يجهل الحقيقة كاملة عن المشاعر أو النوايا الداخلية للشخصيات، وتصير محض اقتراحات أو فرضيات، حسب وجهة نظر كل شخصية. فيخلق الراوي إذن قوة طاردة وحوارية خطابية، كما سماها ميخائيل باختين «الديالوجية»، حيث أنّ لكل شخصية حيزها ووجهة نظرها الخاصة. ومن ثمّ يخفّ ثقل مركز الراوي.
فيقول الراوي عن الصور التي التقطتها تيريزا لتعتزم بها مقارنة شاطئ العراة بالغزو السوفييتي «لم يتمكن المحرر ولا المصور من تفسير ذلك، حتى أنا أجد صعوبة في فهم ما في عقلها عندما قارنت شاطئ العراة بالغزو الروسي». فليس للراوي إمكانية الوصول إلى أفكار أو صراعات الشخصيات النفسية. فموقف الراوي المبهم وغير المحدد يُسهم في رسم بنيةً مفتوحةً للشخوص. فتظهر الشخوص حاميةً لخصوصياتها من جهة، ومن جهة أخرى تتمتع بمساحة تؤدي إلى تطورها بعيداً عن تدخل الراوي. وهكذا تتحطم صورة الراوي المتسلط تدريجياً الذي يشبه الشرطي السري الذي يبدو عالماً بكل شيء، إلا أنّ تلك المعرفة محصورة في المعلومات الخارجية عن الشخوص، ليست النفسية ولا الشعورية. فيحدّ الراوي عمداً من سلطاته لتجنب إخضاع شخصياته للحكم الشمولي نفسه، الذي يحاولون الهرب منه على المستوى الثيمي. وبقراءة الرواية ضمن السياق التاريخي لها يتبين أنّ طبيعة هذا الراوي تعكس حقيقة المعيشة في أوروبا الشرقية آنذاك، خصوصاً خلال النظام السوفييتي. فقد عانى الأفراد كثيرا من ضياع خصوصياتهم؛ فالنظام، على غرار الراوي، يمكن أن يتوصل إلى المعرفة الخارجية عن الأفراد، ولكن لا يمكن أن يلج إلى عوالمهم الداخلية.
لا يقتصر دور الراوي على عكس السياق الذي كُتبت فيه الرواية، وإنما يقدّم أيضا رواية ذات نوعٍ توالديٍ، من دون أن تحدّها شواطئ محدودة. تنماز الحبكة السردية بنوع من التكرار الذي يبدأ بتكرار جزئين متشابكين حاملين للعنوان نفسه «الخفّة والثقل» و»الروح والجسد»، ولكن يختلفان في وجهة النظر المقدّمة، على الرغم من أنهما يتطرقان للأحداث نفسها. فالأول يحمل أفكار توما الفلسفية واللغوية والموسيقية والأسطورية بينما يقدم الثاني أفكار تيريزا التي تأخذ شكل الأحلام أحياناً وتأملاتها حول الجسد. فحقيبة تيريزا على سبيل المثال تمثل لتوما التجسيد الواضح للثقل والشعور بالالتزام في علاقته بتريزا التي دفعته إلى الزواج منه، بينما ترى تيريزا أن تلك الحقيبة هي نوع من الخصوصية والحياة الخاصة التي تحافظ عليها كل أنثى عبر ما تحمله في تلك الحقيبة. وعليه، فإن تعدد الرؤى يدفع القارئ في كل مرة لينظر إلى الأحداث عبر ما يشبه الـ»كليدوسكوب» أو المشكال؛ إذ تتغير رؤيته ويضطر لمراجعة نفسه وفهمه لما يقرأ عبر تجميع الصور ووجهات النظر المتشظية في السرد. وأخيراً، فإن رواية ميلان كونديرا «كائن لا تُحتمل خفته» تقدم نوعاً فريداً من الرواة يكاد يجزم كثير من النقاد أنه أكثر رواة القرن العشرين تميّزاً ومخاتلة.
كاتبة مصرية
دينا نبيل