مازالت القصة القصيرة تولد من جديد، وتشكل حيزاً موازياً للواقع، وشكلاً سردياً مبدعاً في كل نص قصصي ينتمي إلى كاتبه وتجربته الخاصة، والقاص عبد الأمير المجر في مجموعته الأخيرة «ما لا يتبقى للنسيان» ينتمي إلى القرية العراقية، وبالتحديد إلى قرى الأهوار، حيث ولد هناك في المجر الكبير، ويبدو أن النهر المتفرع من دجلة أثر فيه كثيراً، حتى اتخذه اسماً له، وجعله مسرحاً لبعض قصصه في مجموعته هذه.
ولعل الملاحظة الأولى للمجموعة إنها تهتم بما يسميه الناقد والقاص فرانك أوكونور في كتابه الصوت المنفرد بـ (الجماعات المغمورة) وهم الموظفون العموميون عند غوغول، والخدم عند تورجينيف، والعاهرات عند موباسان، والأطباء والمدرسون عند تشيكوف، والريفيون عند شيروود أندرسون، وهم الريفيون والمهاجرون من الريف إلى المدينة، وسكنة المناطق الشعبية عند عبد الأمير المجر.
في القصة الأولى «أنين الضفدعة» تموت طفلة صغيرة بسبب مرض غامض لأسرة تسكن الهور، ينجح القاص في ربط حياة الأسرة بحياة المسطح المائي، من خلال نقيق الضفادع وصغار السمك في الربيع، ويتزامن بكاء الأم مع أنين ضفدعة في المغيب، فتتوحد الطبيعة لترسم صورة الحزن، ويلاحظ أن البطل الرئيس في القصة هو الأسرة كلها متوحدة مع الأهوار، ينجح القاص في توظيف التراث الشعبي (المبخرة) والطبيعة والربيع وتوقيت الغروب في إنتاج قصة تصور إحدى الجماعات المغمورة في الأهوار العراقية، حيث تختفي أي وظيفة للأب أو الأم، لأننا لا نشاهدهما ولا نسمع صوتهما إلا من خلال الطفل الراوي. ويلحظ أيضاً أن القاص ترك القصة غفلاً من أي زمن تأريخي، وكأن مأساة هذه الجماعة المغمورة مستمرة رغم تغير الأنظمة السياسية!
ولكن عبد الأمير المجر وقع في خطأ لغوي؛ لأن الضفدع يقال للذكر والأنثى؛ فكان عليه أن يقول «أنين الضفدع» لا «أنين ضفدعة» كما توهم.
في القصة الثانية «الثمن» يطالعنا شاب عاطل عن العمل، وقد هاجر من القرية إلى العاصمة لمواصلة الدراسة قبل أن يلتحق بالجيش، لهذا الشاب هواية غريبة وهي إطلاق سراح الطيور المسجونة في الأقفاص ودفع ثمنها للبائع، لكنه الآن لا يملك إلا دولارين أمام طير ثمين أطلقه، من دون ان يعلم إنه يعادل ألف دولار، كما يدعي البائع. وتذكرنا شخصية هذا الشاب بشخصيات تشيخوف المسكينة التي يضحك منها الناس، وفي التحقيق يتحدث الضابط بدلاً عنه، ويضعه في السجن، من دون أن يتأكد من السعر الحقيقي للطير، ولعل الضابط هنا يرمز إلى السلطة التي تتحدث نيابة عنا! ومن الواضح أن الطير هنا يرمز إلى الحرية، كما في الكثير من القصص الإنسانية والعراقية، ولكن القاص استطاع أن يوظف هذا الطير في قصة عراقية من خلال مجموعة من الشخصيات: السجناء، الجنود، أطفال القرية، فضلاً عن ثيمة الحرب، التي تلتهم الطيور، وفي النهاية سيبقى الشاب شهوراً طويلة داخل السجن، ولو انتهت القصة إلى هذه النقطة؛ لما تركت فينا أثراً ما، لكن القاص استطاع أن ينهي القصة عن طريق الفنطازيا «شعر كأنه يحلق في فضاء يكتظ بدخان يشبه دخان القذائف …ثم رأى أسراباً من الطيور تحيطه» ص 31. ومن الواضح الآن أن رسالة القصة تقول إن الطير هو العراق، ولكنه حين يخرج إلى الحرية يموت، وكأنه ما زال في حرب الخليج الأولى، تلتهمه نيران الحروب. لكنني أرى أن في القصة بعض الجمل الزائدة كهذه العبارة «أيقن أن الطريق إلى الحرية طويل وأن أقسى ما يعانيه الإنسان هو أن يدرك ذلك» ص 28، وهي جملة تقريرية لا تضيف إلى البناء القصصي شيئاً، وفي الصفحة التاسعة والعشرين ثمة حشو غير مبرر، كان من الممكن الاستغناء عنه، كي تتخلص القصة من الترهل. أما قصة «أحلاف» فتنتقل في سلاسة عبر أزمنة مختلفة ترتبط بثيمة القصة وبحدثها المركزي، فمن الحاضر يستخدم الراوي ذاكرته فيعود إلى الليلة التي سبقته، ثم مرحلة ماض أبعد وهو مهنة والد الراوي وتأثره بالحرب الثانية وأحلافها، وصورة القرية في وقت قريب من الحرب، ثم نعود إلى الحاضر، ثم ننتقل إلى القرية وانتهاء النزاع العشائري وأخيراً صراع الكلاب كمعادل رمزي لصراع الأحلاف في القصة… وهذه الانتقالات الزمنية أنتجت لنا دلالة القلق والترقب والخوف التي تنتاب الحياة الحاضرة. ومن خلال الانتقالات الزمنية تعرفنا إلى طفولة الراوي ضابط الشرطة الذي ينتمي إلى الطبقة الفقيرة أو الجماعات المغمورة.
لقد نجح القاص بربط حادثة نزاع عشائري يعتمد الأحلاف، وهو حدث محلي، بالأحلاف العسكرية التي غيرت خريطة العالم، وهو حدث عالمي، وقد نجحت القصة في توظيف الخيال وربطه مع الواقع عبر أحلام اليقظة… وأوحت لي القصة كقارئ أن المدنية ليست سوى غطاء وضع على العصور الوسطى أو البدائية … وأدت فنياً ما قاله المفكر المبدع ديورانت في «قصة الحضارة» في الفقرة في الفقرة المستلة من كتاب «قصة الحضارة» التي ضمنها الكاتب كعتبة للقصة.
وتتحدث قصة «لعبة كبار» عن لعبة تجري في بيت في إحدى المحلات الشعبية، عندما يتقمص الأطفال شخصيات عسكرية مثل: هتلر، ستالين، موسيليني، تشرشل ترومان، وأثناء تأدية أدوارهم، تسمع من الأزقة رشقات الرشاشات الثقيلة والصواريخ، وتحفل القصة بمفردات المليشيات والذخيرة والحرب… ومن الواضح أنها قصة ترمز إلى العراق، وأن قرارات الحرب والسلام فيه خارجية، ومن الواضح أيضاً أن البطل الرئيس في هذه القصة هم أهل المحلة جميعاً.
أما في قصة «مسألة خلود» فسيكون بطل القصة هو (علو مكناسة) الذي ذكر اسمه في القصة عشر مرات، وسيكون المقهى الشعبي في أحد أزقة بغداد مسرح القصة. تروى القصة على لسان راو مشارك مثقف يتذكر محادثة جرت في المقهى قبل نحو عامين بين أحد رواد المقهى والنادل عن شخص يدعى (علو مكناسة) وهو كناس شوارع في بغداد، وفي القصة شخصية مغمورة أخرى رجل عجوز، رث الثياب بلحية غير حليقة منذ أسابيع … وهو كناس طيب يدعى (عباس حكة) ويلحظ على هذه الأسماء الصفات الشعبية التي ألحقت بها، ويلاحظ على القصة أيضاً أن الشخصيات المغمورة لا تشترك في الحدث السردي وكأنها صور خلفية للقصة.
ولكن القصة ليست سوى تأملات للراوي المثقف الذي يجلس في المقهى بانتظار صديقه الذي نصحه بقراءة «النخلة والجيران» وهو يستمع إلى حديث رجلين في المقهى فيقارن في نفسه بين المدينة الآن وكيف كانت نظيفة إثناء الستينيات.
وثمة خطأ فني في القصة كما أعتقد؛ إذ تبدأ القصة والراوي يتجه إلى المقهى «وأتذكر في المرة الأولى التي جلست فيها مصادفة قبل نحو عامين …» ص 65، ثم راح يسرد ما سمعه من حوار حول (علو مكناسة) ولكنه يعود ليقول «حاولت أن أقرأ شيئاً من الرواية، لأزجي الوقت حتى يأتي صديقي، لكني كنت مشدوداً لحديث الرجلين عن علو مكناسة …» ص 69، أي إن زمن دخول الراوي إلى المقهى وبيده الرواية، هو غير الزمن الذي جرى فيه الحديث عن (علو مكناسة). ولكن القصة نجحت من خلال الحديث عن رواية «النخلة والجيران» والتقرير الذي بثه التلفاز للموكب الرئاسي في الستينيات، فـ»النخلة والجيران» تتحدث عن الطبقات الشعبية البغدادية، وقد جعلنا القاص نتساءل أيهما أكثر خلوداً؛ الرواية أم الطبقات الشعبية المغمورة المسكينة؟ وأيهما أكثر خلوداً السياسي الذي يركب العربة الفارهة، أم كناس الشوارع الذي رآه أحد رواد المقهى جالساً في العربة الرئاسية بدل الرئيس عارف في نهاية فنطازية جميلة للقصة؟
أما في قصة «مشكلات» فلا نجد أجواء الريف، أو أي أثر للمجموعات المغمورة، راوي القصة شخص مقيم في إحدى الشقق السكنية يتابع تطورات أزمة سياسية في التلفاز، تحدث بعض المشكلات المرورية في الشارع المحاذي لشقتهم، وتجد زوجته بعض المشكلات مع طباخ الشقة، ويعلن في التلفاز عن المؤتمر الصحافي للوزيرين فيخرجان مستبشرين، وسرعان ما يجد الراوي أن زوجته قد حلت مشكلتها مع الطباخ، وأن حركة المرور تسير بانسيابية وانتظام.
من الواضح أن القاص استطاع أن يقيم نوعاً من التوازي بين عالمين، العالم الذي تحدث فيه مشكلات سياسية، فيتأثر عالم الشقة الصغيرة والشارع المحاذي لها. وعلى الرغم من أن مثل هذه المشكلات الصغيرة تحدث في كل لحظة، ولا دخل للمشكلات السياسية فيها؛ إلا أن القاص استطاع أن يقنعنا فنياً بحدوث مثل هذه المصادفة، عبر تكثيف قوي للغة، فضلاً عن البساطة والعفوية في سردها. لكننا سنعود إلى (الجماعات المغمورة) في قصة «السائق الطائر» الذي سئم المدينة، ولكي يتخلص من السأم يقرر في خطوة فنطازية أن يعطي هو النقود للراكبين، شرط أن يأخذهم هو إلى المكان الي يرغب فيه، وكأن السائق هنا يبحث عن الحرية، الحرية التي سلبتها منه المدينة مذ كان صغيراً. أما النص الأخير «آثار أقدامي الصغيرة» فهو شهادة سيرية مكانية للقاص، وليس هو قصة قصيرة كما قلت سابقاً.
القاص عبد الأمير المجر يمتلك صوتاً متفرداً في القصة العراقية المعاصرة، أبرز حياة مجموعة من الناس، نستطيع أن نطلق عليهم (الجماعات المغمورة) عبر لغة سليمة، خالية من الفضول والترهل، مبتعداً عن اللهجة المحلية. وللقاص المجر أسلوب ورؤية في الصنعة القصصية، ورسالة تؤديها المجموعة، فليس هو بالكاتب الذي يبحث عن القصة عبر التهويمات اللغوية، أو اللغة الرومانسية التي لا تنتج شيئاً آخر غير كلماتها، وليس هو بالكاتب العابث الذي يبحث عن القصة عبر أشكال سردية لا ترتبط مع مجريات الحدث فنياً. ورسالة المجموعة ـ كما أرى ـ رسالة سياسية ضد الحرب ودعاتها، لكنه نجح في أن يبتعد عن لغة الخطابات المباشرة، وأن يبتعد عن الدراما السياسية في القصة، بل استطاع أن يجعلها خلفية رقيقة فيها، ومعها تصل رؤية القاص. فما هي رؤية القاص؟
قدم عبد الأمير المجر في «ما لا يتبقى للنسيان»، حياة الريف، والحياة البغدادية الشعبية، عبر مضمون اجتماعي اختير بعناية فائقة، وما كان مجرد ناقل للحدث أو واصف للبيئة المحيطة به فقط، وأرى أن رؤية المجر للعالم المصور في المجموعة، إنه عالم تحركه أيد خفية، تتحكم فيه، وتغير في مساراته، ويتأثر بأدنى حركة تحدث في العالم البعيد … فكان أن بقي في ذاكرتنا ما لا يمكن للنسيان أن يمحوه.
«ما لا يتبقى للنسيان» عبد الأمير المجر ـ مجموعة قصصية ـ دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد 2015.
كاتب عراقي
صادق الطريحي