■ سمعنا الكثير عن الازدواجية الفكرية والثقافية وتناقضاتها البارزة بين الفكر الحديث والتقليدي. فمع بداية الاستعمار الغربي للدول العربية تضارب الفكران، وأصبح من الصعب تقبل الفكر الحديث في مجتمعنا العربي، ناهيك عن فهمه وأخذ ما هو ملائم منه لنا.
ففي كل فكر يوجد ما هو سلبي وما هو إيجابي، وطبيعي يستطيع الإنسان أن يستخلص من كل فكر ما هو مناسب له. ولكن ما يظلُّ مستعصياً على مجتمعنا العربي هو الخلط والتطوير بين الفكرين الحديث والتقليدي، بفكر يناسب خصوصيتنا العربية وثقافتــــنا الإسلاميــــة. هذا العجــز أسهم في تكوين فكر إزدواجي باطنه تقليدي وغلافه حديث.
وبرزت هذه التناقضات الفكرية في عصرنا هذا، بدءاً من التضارب في الهوية والاستبداد وتصنيف المجتمع الى فئات وأقليات، وفقدان فن الحوار، والاستخفاف بالعقول، لدرجة أن أصبح بعض المواطنين العرب يرى أن الحاكم المستبد العادل هو الحاكم الأنسب. كل هذه الأسباب جعلتنا نفتقد أساسيات تعتمدها الدول المتقدمة في تطورها الفكري وجعل القانون عمودها الإساسي.
الصراع المزدوج الذي يعيشه المسلم العربي تحديداً، مردّه المخلفات الاستعمارية وسيطرة الانتماءات القبلية والطائفية. فانتماء المواطن العربي يصنف ويحدد حسب الهوية التي يرسمها له مجتمعه، أو الأشخاص الذين يتأثر بهم. وتتعارض أيضا عند البعض هويتهم الإسلامية مع هويتهم الوطنية، فينسبون انتماءهم الوحيد للأمة الإسلامية. فالهوية الإسلامية، حسب هؤلاء، ليست لها حدود، وولاؤهم يجب أن يكون للأمة الإسلامية لا للوطن. لهذا نرى توافقاً كبيراً بين هذه الفئات مع بعضها بعضا حتى لو كان على حساب الأهل والوطن. ومنهم من يرى أن ولاءه يجب أن يكون متمحوراً حول طائفة أو معتقد ديني، مما يشكل تحدياً كبيراً في انتمائه لوطنه عندما تتضارب المصالح. ومن هنا تأتي الثغرة في استغلال هذه الفئة من الناس لمصالح سياسية أو طائفية للقيام بأعمال جهادية متطرفة والسعي وراء إحياء زمنٍ أكل عليه الدهر وشرب.
وفي النقيض هناك قسم آخر يرى أن الولاء يجب أن يكون للوطن أولاً، وأن هويتهم الإسلامية والعربية لا تتعارض مع انتمائهم لوطنهم. لأن البلد المسلم جزء من الأمة الإسلامية ولا يجوز أن نفصلهما عن بعض، وأن لا نصنع الصراعات بين الهوية الإسلامية والعربية والانتماءات القبلية والمذهبية. ولكن الأخطر من هذا كله، هو انتشار وبروز إزدواجية بعض الفئات المثقفة في البلدان العربية في الفترة الأخيرة. وما يزيد الوضع سوءا وتعقيداً، وجود تبعية كبيرة لهم من العقول المنساقة وراءهم في كل من العالم الافتراضي والواقعي. فتراهم في مواقع التواصل الاجتماعي ومنابر الإعلام يميلون لطرف على حساب طرف آخر، حتى لو كان هذا الطرف على خطأ.
ومنهم من يصف نفسه بأنه رافض للطائفية والمذهبية ومن ثمّ يقوم بجلد طائفة على حساب طائفة أخرى، أو بطمس هوية على حساب هوية أخرى. كل هذه التناقضات والتعقيدات أنشأت أرضاً خصبة لجيل جديد متشرب من الازدواجية الفكرية والثقافية.
ما نحتاجه في مجتمعنا العربي هو التحرر من أفكارنا التقليدية المغلفة بالأفكار الحديثة الوهمية وذكر الحقائق كما هي، وبناء فكر جديد يناسب انتماءنا الوطني وهويتنا الإسلامية حتى تكون لدينا أوطان أساسها القانون والعدالة.
٭ كاتبة صومالية
أمل احمد