منحت فرنسا في أول نوفمبر/تشرين الثاني 2014 وسام شرف للنحات اليهودي داني كارافان بعد إنجازه أعمالا فنية عملاقة في أماكن عديدة من العالم، كان آخرها في صحراء النقب…
وبالنسبة للذين لا يعرفونه فهو من أقام منحوتته الشهيرة الرائعة المهداة للفيلسوف والتر بنيامين في مكان فقدانه والعثور فقط على حقيبة مخطوطاته على الحدود الفرنسية الإسبانية بُّورْ بُو.. وقد قال لإحدى الصحافيات الفرنسيات، في تلك المناسبة، بأنه متأسف لأن منحوتته الحجرية الضخمة التي تغطي كل الجدار وراء منصة البرلمان الإسرائيلي، لم تكن على أساس ما تقوم به إسرائيل اليوم في حق الشعب الفلسطيني من احتلال وتشريد وعنصرية، لأن هذه السياسة ستقضي لا محالة على روحانية العقيدة العبرية.. بل هو عمل فني يدعو إلى التعايش والاعتراف بالآخر واحترام الاختلاف.. فقد بات يشبه نسخةَ لوحة بيكاسو، غرنيكا، المعروضة في مقر هيئة الأمم المتحدة، التي عوض أن تقوم بالدور السياسي والإنساني المنوط بها، تبنّتْ خطاب الغالب الذي يلعب دور «دَرَكيّ العالم»، الذي باسم العقلانية والإنسانية يطلب «الحق الدولي» لزرع الرعب في نفوس «المتهمين» و«المغلوبين» بإمعان في إفنائهم..
قبل هذا التاريخ بكثير، تعرفْتُ على عمل الفنانة الفلسطينية مُنى حَطّوم، ومن خلاله عرفتُ، أولا، أن الذاكرة تلعب دورا رئيسيا في شحن العمل الفني وتمكين الفنان من مقاومة اليومي المغرق في النسيان واستئلاف المَشاهِدِ المُرعبة التي يحياها الناس ويتكبدونها.. وثانيا، أن الذاكرة تشتغل بطريقة أفضل وبِحُرية أكبر عندما لا تُفرض عليها الأساليبُ والبرامج والتوجيهات المُعِدّةِ سلفا… جاء عملها «ردّا» بعيدا عن كل فجاجة أو بلاغة سياسوية تضر بقضيتها وبرؤيتها الجمالية.. قام هذا الفهم على الافتتان بالتفاصيل والأشياء الهشة، كما النبيلة، لتبدع بها آثارا قوية، مرعبة أحيانا وحزينة أخرى، عن الإنساني المشترك، عن الحرب، المنفى والمرأة وغيرها.. وهو ما أكسب عملها نوعا من الحميمية الأخّاذة، تجلى ذلك في معرضها «المكعب الأبيض»، الذي فتح آفاق تخيُّل واسعة لتشكيليين كُثر للتنويع، نقلا أو سرقة أو اقتباسا، على عملها، كالأرجوحات، الخرائط، أضواء النّيون، المعلَّقات وغيرها، إلى درجة النقل الحرفي أحيانا، مثل أشرطة فيديوهاتها التي اشتغلت على الجسد المطرَّز بالكتابة، منذ معارضها الأولى الكبيرة في «جورج بّومبيدو» و«التّيْتْ غاليري» و«الموما» أو معرضها الأخير«مَطبّات»، 2012، في سانْتْ غالن، في سويسرا، رغم اختلافها الجوهري مع كل هؤلاء من حيث الرؤية، تشرُّبُ تجربة المنفى والابتعاد عن عائلتها وتمَثُّلِ معنى «الكارثة» الحقيقي، كما تحدث عنه جيل دولوز.. تركتْ الفيديو وتفرغت للمنحوتات وعرض الأشياء – كما في «البيت المتخيَّل»- المشحونة بالذاكرة، متحررة بذلك من سلطة الوسيط الوحيد ومتمردة على حدود الفن التقليدية مثلما ترجمها «الكرسي المتحرك». وقد خص المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد عملها بنص مهم صدر ضمن منشورات رواق «دارة الفنون» في عمّان، التي كان يديرها الفنان السوري مروان قصّاب باشا، خلال عرضها «حديقة معلّقة» 2008، أكياس التراب والزرع الشهيرة..
عرفت، خلال مشاهدتي لهذا المعرض، أن العمل الفني الذي لا ينبع من إحساس عميق بالتجربة الوجودية وبذلك الجرح السري الذي تحدث عنه جانْ جونيه في كتابه «المرسم» عن تجربة جياكوميتي (ترجمة محمد برادة)، لا يمكن أن يكون عملا فنيا عظيما ما لم تغذّه تلك الروافد الخفية التي تؤكد هشاشة وقيمة وعبور التاريخ والظروف التي تغدو إلى غير رجعة ولا تجد من يستعيدها أو يدوّنها بأي شكل من الأشكال.. وفي حالة منى حطّوم، منذ الاحتلال، النكبة والنزوح إلى اليوم، حيث التاريخ ممزق بشكل محزن بين هذيانات الـ«عقل» وعنف الحديد..كان مفكر يهودي آخر، إيلي فيسلْ، يقول في سياق آخر، بأن الإنسان وفكرة الإنسان قد ماتا معا في آوْشْفيتْسْ، ما تزال منى حطوم ترى في تكرار ليل التاريخ هذا الاحتلالَ والاجتثاثَ وتشريدَ الذين كانوا بالنسبة إلى شعبها استراحةَ حبّ في انفلاتِ الأشياءِ، لأنها تعرف، كما يعرف مَنْ خبَرَ أن أحلام الـ«عقل» تُنجب الوحوش، كما قال غُويا، وأن نبالةَ الناس الأكبرَ تتمثل في نصْب آثارهم الفنية وسط الخراب والدمار، وأن يشتغلوا عليها من دون كلل، مناصفة بين التمزُّقِ والجمالِ حتى لا يعبروا من الممكن إلى الواقعي، بل من المستحيل إلى الحقيقي.. إذْ يصبح الإبداع هنا، بهذه الأشياء، البسيطة ظاهريا، لكنْ في خفقان ثقلها المأساوي وفي تقشُّفِها الكبير، تمثل قبورَ أجسام حُرمتْ من قبورها الحقيقية، إنه الأثرُ الفني، وهو يتذكّر، يحاول أن يصلح، أن يغطي عظام من تعرّتْ عظامُهم.
لم تكن تجربة آوْشْفيتْس مجرد تجربة رعب اهتم الإبداع بها، كانت بالنسبة ليهوديّ ناج من المحرقة، ميكْلوسْ بوكور، مناسبة ليعاود من خلال تأمله للخراب تأمل مسألة الإبداع في جوهره الإنساني والتفكير في وضعه التاريخي الخاص. وبالحفر في ليل الذكرى، لامس بوكور أيضا منبع النور كله في ليل النازية.. كذلك تفعل منى حطوم في ليل الصهيونية الحالك..
فمقابل القول الشهير لأدورْنو بأنه «لن يكون هناك شعر (ولنضف نحن، فنّ) ممكن بعد آوشفيتس»، وجدت منى حطوم فنا لا ينسى أن في صراعها مع «مَلاك الخراب»، يكمن أساس وجودها.. إذ عبر تلك الأشياء، الأدوات المنزلية، الحربية، المصابيح، الكوفية وغيرها، الوحيدة، الصامتة والموجعة التي تشبه في جمالها جمال الأشياء التي ألْهمت ريلْكه في مرثياته الأولى، بأن «الجميل ليس سوى بداية المرعب الذي ما زلنا نتحمله بمعجزة».. إنها (الأشياء) كنايةٌ عن عودةِ وجود بشري، لن يعود إلا من خلال هذا التعبير التأبيني الواضح.. ألمْ يقلْ الحاخام بّينْشاس بأن «القوة لا تنبثق إلا إذا دخلتْ في ظلام عميق. تتحلّل من شكلها وتأخذ شكلا جديدا(…) إذ في قدح النسيان تنمو طاقة التذكر ؟»، فإذا كانت حقبتُنا قد بلغتْ قدرة على التدمير قلّ نظيرها في التاريخ، فإن علينا القيام بثورة تخلق قدرة قل نظيرُها أيضا على الإبداع، تُقوّي الذكريات، تُصَيّر الأحلام أكثر دقة، تؤالف الصور، تحتفظ بمعاملة أحسن للأموات وتمنح الأشياءَ العابرةَ قراءةً باذخة. يقول خْوان غويتيصولو، رفيق درب جان جونيه، صاحب «أسير عاشق»: «هل يوجد جواب أحسن من جواب الشعر على أصولية التقنية العلمية وعلى هذا النظام العالمي الجديد الذي يُبخس العقلَ، يخرِّب البيئة، يجفِّف منابع الأرض المحدودة، يجيد تطوير الأسلحة الفتاكة ويحاصر قارات بأكملها بدعوى الأعراف الأخلاقية ؟». في الإبداع الفلسطيني العام، وفي فنه، بعقائده المختلفة، الذي يعنينا هنا، أقرأ السؤال الفلسفي العام حول ضرورة إعادة النظر في مفهوم الإنسان، مفهوم العقل وأن كل المفاهيم التي خلقها «الغالب»، بها كذب شنيع، يفضحه أدنى ساق من سيقان زرع في تنصيب منى حطوم، يتطاول من بين المسامّ لامتصاص النور… صحيح أنه ساق هش وضعيف، لكنك تحس وأنت تنظر إليه كأنك به يترصّدُ الحقَّ ويحرس القيمَ الإنسانية التي لم يحرسها لا العقل ولا القوة، يقاوم العنصرية والهمجية والبربرية التي ما زلنا نشاهدها إلى اليوم بعينيْ ملاك التاريخ كما قرأها الأمسَ والتر بنيامين في عمل الفنان بّولْ كْلي…
ناقد تشكيلي مغربي
حسان بورقية