أنظمة العرب الرجعية والتوظيف الصهيو إمبريالي لتناقضاتها

حجم الخط
0

خلال العقود الماضية كانت الأنظمة الاستبدادية العربية تراهن على التناقضات الاجتماعية والفكرية والإيديولوجية السائدة من أجل ترويض الشعوب وتدجينها وتيسير آليات إخضاعها. كما راهنت القوى الصهيوإمبريالية على هذه التناقضات سواء عن طريق الأنظمة العميلة التي تقوم بدور الوكيل أو عن طريق اكتساح المجتمعات بواسطة الغزو الثقافي والاقتصادي الممنهج. في تونس مثلا كان اللعب على ورقة ثنائية ‘الحداثة’ و’الإسلام’ ، حيث احتضن التيار الدستوري البورقيبي نظيره الإخواني في تونس ليكون عامل تعديل للمشهد الاجتماعي من أجل ترويض الشعب وقمعه اعتمادا على وسائل مادية (قمع بوليسي، تعذيب، تضييق …) وكذلك وسائل معنوية مُستمدة من روح الأمة في حد ذاتها (الوجدان الديني) باعتبار أن القمع المادي غير كافي لترويض الشعب في تلك الفترة، فكان التيار الإخواني في تونس مكملا للمنظومة الاستبدادية عبر تبريرها باسم الدين والفتاوى، كما كان التيار الإخواني ضد تحركات الجماهير الشعبية وانتفاضاتها الاجتماعية، وكان كذلك أداة لضرب التيارات اليسارية والقومية التي تدعو إلى التغيير. أما في مصر فلم يكن المشهد مختلفا كثيرا في عهد أنور السادات الذي احتضن التيار الإخواني ودلّله لأنه يدرك استحالة ترويض الشعب وقمعه دون مساندة من هذا التيار. بعد قيام ما تسمى ‘ثورات الربيع العربي’ انهارت عديد الأنظمة العربية وصعدت مكانها أنظمة أخرى تستمد شرعيتها من الدين، وهذه الأنظمة الصاعدة نشأت من رحم الأنظمة الاستبدادية السابقة التي كانت مغلّفة سواء بالحداثوية أو القوموية. وإن اختلفت الأشكال والخطابات فإن ما كان يؤلّف بين التيارات الدينية والأنظمة الاستبدادية هو معاداة الحرية ونشر الاستبداد. وبالتالي كانت الأنظمة الجديدة التي تستمد شرعيتها من الدين ناضجة وجاهزة لتكون عجلة النجدة للأنظمة الاستبدادية السابقة، وبطبيعة الحال لم يكن التيار الصهيوإمبريالي في غيبوبة، حيث تمكن من إعادة السيطرة على روح الأمة ووجدانها بسرعة، باعتبار العلاقات القديمة بين التيار الإخواني والولايات المتحدة منذ سنوات، هذه العلاقات التي لا يختلف عاقلان في أنها كانت تحت أعين اللوبي الصهيوني وبإشرافه.في سورية لا يختلف المشهد من حيث المبدأ لكنه يختلف من حيث حجم التناقضات وطبيعتها باعتبار الثقل الإستراتيجي للنظام القائم وميله نحو المحور الروسي الإيراني، هذا بالإضافة إلى التناقضات العرقية السائدة، فكان المخاض عسيرا وكلف وما زال يكلف السوريين ثمنا باهظا. وبالرغم من أن هناك من يدعو إلى التخلي عن نظرية ارتماء سورية بين أحضان الولايات المتحدة ومشتقاتها في صورة سقوط نظام الأسد، إلا أن هذه النظرية تبقى قائمة شاء من شاء وأبى من أبى، باعتبار التدخل العميق والمفضوح للصهيو-وهابية والرجعية التركية في ما يجري في سورية.بالنسبة للأنظمة الخليجية ‘النفطية’ المشهد مختلف نوع ما من حيث الإعتماد على منظومة الريع وإغراق الشعوب في تلبية حاجياتها المادية، لكن في السنوات الأخيرة وخاصة بعد أن اندلعت ما تسمى ‘ثورات الربيع العربي’ تغيرت الأوضاع وبدأت نظرية الريع مقابل الولاء تتهاوى باعتبار تعفن الأنظمة القائمة وصعود أجيال خليجية متفتحة امتدت طموحاتها أكثر من مجرد توفير الحاجيات الحياتية، وبدأ التيار الإخواني يتحرك في المنطقة وامتدت طموحاته بعد سيطرة إخوان تونس ومصر على السلطة، ويبدو أن التيار الإخواني متعطش لنيل نصيبه من الكعكة واستلام مشعل الرجعية بعد أن تسلمه في تونس ومصر.إن السيطرة الصهيوإمبريالية على الواقع العربي لا تُستمدّ من وسائل مادية عسكرية واقتصادية فحسب، بل هناك توظيف للتناقضات الحاصلة داخل البلدان العربية في حدّ ذاتها ( عرقيّة، قبليّة، مذهبيّة، طائفية، جهويّات، دين، وجدان، تكفير …). وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الكفاح ضد الوصاية الصهيوإمبريالية لا يتناقض ولا يتعارض مع الكفاح من أجل الخبز والحرية والكرامة، فإن هناك تساؤلات تطرح نفسها بجدية: متى ستتحرر الشعوب العربية من أنظمتها الرجعية؟ ومتى ستخرج الشعوب العربية من الوصاية الصهيونية المقيتة؟ تساؤلات ربما ستجيبنا عنها الأيام .يوسف بلحاج رحومة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية