لكلّ قصيدة، من بدء تاريخ الفنّ الشعري إلى يومنا هذا، ومضياً في المستقبل إلى آخر قصيدة يكتبها آخر شاعر، هدف واحد لا غير: أن تمسّ تلك العاطفة التي عصفت بوجدان شاعر ما، في زمنه المؤقت المحدود، وجدان الآخرين في الحاضر ولكن أيضاً في المستقبل اللانهائي: إنها كبسولة زمنية معبأة يطلقها الشاعر، أو الشاعرة ، في المجهول بلا ضمانات سوى كونها استوفت شروط موضوعها وحددت له أبعاده الضرورية بتفصيل تدعمه التجربة. المعرفة النسبية تصبح كونية، طالما أن العاطفة الإنسانية تجاه حدثٍ ما، في كل الأزمنة، هي ذاتها في الجوهر، والاستجابة تأتي بحجم الحدث إذا كان في قدرة الشاعر أن يجد الشكل الملائم لعاطفته تلك، بانياً إياها لبنة لبنة، بشكل تطابقي، في صرح رؤيته التي يريدنا أن نراها، وأن نستجيب.
هذا ما يفعله الشاعر السومري المجهول الذي كتب «دعاء من أجل نيبور المخرّبة»، وهي قصيدة معروفة تعود إلى عام 1700 قبل الميلاد تقريباً وتنتمي، كما هو مكتوب في تعريف ملحق بالقصيدة، إلى نمط شعري يسمى «إرشمّا»، أي مرثيةٌ تُتلى على إيقاع الدفوف. وقد ترجمها إلى الإنكليزية ثوركيلد ياكوبسون عالم الآشوريات المعروف عن النص المسماري الموجود في المتحف البريطاني ضمن مجموعة «نصوص مسمارية من الرقائم البابلية».
نيبور هي المدينة السومرية المقدسّة وإلهها إنليل (أبو الآلهة) خان عهده بأن يحميها من قوى الشر والدمار ونفّذ فيها مرسوم المجمع الإلهي حتى لو كان معنى ذلك تسليم مدينته إلى أعداء لا يرحمون. في القصيدة يُرى إنليل (أو الحاكم) عاجزاً عن النظر إلى دماء مدينته وآلام شعبه، وهكذا يدير إليهم ظهره ويتظاهر بالنوم. يسأله الشاعر أن يستدير وينظر إلى المدينة المنكودة من أيّما جزء من معبده «الإيكور» ومبانيه المختلفة التي يسكنها والتي يعددها الشاعر بأسمائها وصفاتها، واحدةً واحدة، قبل أن يصف الخراب الذي حلّ في كُلِ مكان وبذلك يُجبرهُ على الرؤية، لو لم يستدر وينظر إلى ما جرّه قراره على شعبه من الويلات. لقد دمر الطوفان المدينة التي تحللت بيوتها وانهارت لأنها مبينةٌ من اللبن والطين. حَبّ الشعير من الندرة بحيث يُباع الآن بالوزن في حين يُباع عادةً بالكمية في السابق. النساء اللواتي بقين على قيد الحياة يذهبن للبحث عن أجساد أحبائهن بين الجثث التي تملأ الطرقات، وكانت هذه مليئة بالمارة والمحتفلين ذات يوم، حيث الكلاب الجائعة تنهش أعضاء الرجال والنساء والأطفال، والذئاب «حرّة في المجيء والذهاب». إنهن يولولن باكبات وقد أُصبن بالجنون من فرط الحزن والرعب. الريح تعصف في الساحاتِ وفوق أماكن رقصهم، الموت في كلّ مكان .
ولشدةِ صدقها التفصيلي، وحرقتها المضمرة في أبياتها المتكررة حتى الهياج، وصوت الشاعر التحريضيّ النادبِ المرير، ومعايشته المباشرة لأحداثها، تكاد هذه القصيدة التي أطلقها شاعرٌ سومريٌ مجهولٌ في عماء الأزمنة أن تحيلنا، بعد أكثر من ثلاثة آلاف ونيف من السنين، إلى وضعنا الحالي في العراق المنكوب، أرض سومر بالذات حيث مازالت نيبور أو «نفّر» قائمةً في موضعها الأصلي، سواءً جاء الخراب عن طريق الطوفان أو الحصار الاقتصادي وصواريخ التوماهوك، أو صلافةِ طاغية أرعن كإن ليل الجبان لا يستدير مرّة واحدة «فينظر إلى مدينته» من شرفة أحد قصوره الباذخة، العديدة.
دعاء من أجل نيبور المخربّة
إلتفتْ أيها الفاضل/ وانظر إلى مدينتك/ إلتفت أيها الفاضل القدير/ وانظر إلى مدينتك/ إلتفت أنت يا رب كلّ الأراضي/ وانظر إلى مدينتك/ إلتفت يا رب الكلمة الأخيرة/ وانظر إلى مدينتك/ إلتفت يا إنليل يا أبا البلاد/ وانظر إلى مدينتك/ إلتفت يا رب الشعب الفاحم الشعر/ وانظر إلى مدينتك/ إلتفت أنت يا من تخشى أن تفتح عينيكَ/ وانظر إلى مدينتك/ إلتفت أيها الراعي الذي يترك قطعانه تتيه/ وانظر إلى مدينتك/ إلتفت أنت يا من تتظاهر بالنوم/ وانظر إلى مدينتك/ إلتفت نحو مدينتك، نحو نيبورك/ وانظر إلى مدينتك/ إستدر عن أسوار «إيكور»/ وانظر إلى مدينتك/ إستدر عن مستوى أرضك وعن سبيلك/ وانظر إلى مدينتك/ استدر عن «ديكوك» المكان المقدّس/ وانظر إلى مدينتك/ استدر عن مخدعِ نومك المظلم/ وانظر إلى مدينتك/ استدر عن البيت ذي البوّابةِ الكبيرة/ وانظر إلى مدينتك/ استدر عن أهراء المؤونة/ وانظر إلى مدينتك/ استدر عن ملاذ «غيشوّوا»/ وانظر إلى مدينتك/ استدر عن ملاذ «ايغالما»/ وانظر إلى مدينتك/ إلى مدينتك الغريقة، المضروبة بالطوفان/ إلى مدينتك التي ضربتها أنتبالطوفان/ وأهلكتها بواسطة المياه أنت بالذات!/ مدينتك، حيث صارت كلّ حبّة من الشعير/ تكال بعناية في الموازين/ وبعد نهار لم تأكل فيه شيئاً/ تنتحب تلك التي كان لها زوج شاب/ حيث عثرت على جثّته:/ «واهاً عليك، يا زوجي!»/ تلك التي كان لها ابن يافع/ تندب هناك:/ «أوّاه يا ابني!»/ تصيح الفتاة هناك:/ «ويلاه يا أخي!»/ و في المدينة تعول الأم التي أنجبت/ «آه، يا ولدي، يا كبدي!»/ البنت الصغيرة تصيحُ هناك:/ «أبتاه!»/ الصغار يجنّون، الكبار يجنّون/ منذ أن ولّى هارباً/ من كان يقف في الطرقات/ وجاءت الكلاب.
مجلة «عيون»، العدد 3،
كانون الثاني (يناير) 1997
حامل الفانوس
حين رحل الشاعر العراقي (1944 ـ 2007) كان قد خلّف وراءه تجربة كبيرة، بالغة الحضور، واسعة التأثير. ورحل شاعراً مقلاً بالقياس إلى عدد المجموعات التي أصدرها، سيّما وأنّ مجموعته الأولى لم تُنشر إلا سنة 1985، حين تجاوز سنّ الأربعين. هنا مفارقة أولى ذات مغزى في تجربة بولص: أنّ الحجم الكمّي لنتاجه الشعري لم يتناسب البتة مع حجم التأثير النوعي الهائل الذي مارسه، منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، على جيلين متعاقبين من الشعراء العرب، وشعراء قصيدة النثر على نحو أخص.
وليس بغير دلالة قصدية أنّه كان، في مجموعته الخامسة «إذا كنت نائماً في سفينة نوح»، 1998، قد أعاد إدراج عدد من قصائده القديمة التي تعود إلى الفترة الممتدة بين 1969 و1982، ليس لأنها ترتدي أهمية بالغة في مسار تجربة بولص الشخصية فحسب، بل لأنها شكّلت علامات فارقة في أقدار الشعراء العراقيين الستينيين (فاضل العزاوي، عبد الرحمن طهمازي، صلاح فائق بصفة خاصة)، وفي التاريخ المتقطّع لقصيدة النثر العربية إجمالاً.
والحال أنّ امتزاج هاجس التعبير الجديد بقلق اجتراح الشكل المغاير كان في رأس هموم بولص منذ البدء، وهكذا ظلّ حتى آخر قصائده التي نشرها قبل أسابيع قليلة من رحيله، في ألمانيا، تحت وطأة مرض عضال. غادر العراق مبكراُ، واستقرّ فترة قصيرة في بيروت فشارك في أنشطة مجلة شعر، ثمّ استقرّ في الولايات المتحدة، مع إقامات متقطعة في اليونان والمغرب، مما أكسبه تجربة خصبة واحتكاكاً معمقاً بأنماط مختلفة من البشر والحساسيات والأمكنة والرؤى. انكبابه الأهمّ انصبّ على ردم الهوّة بين الشعر الحرّ وقصيدة النثر، من خلال اشتغاله على هاجس دائب هو اقتراح عمارات إيقاعية تجسر تلك الهوّة أولاً؛ وتستدرج القارئ إلى تمارين تربوية حول أفضل طرائق وعي النصّ الشعري الجديد ثانياً، قبل أن تضعه أمام ضرورات ترقية الذائقة وحوافز التذوّق.
رحل بولص عن المجموعات الشعرية التالية: «الوصول إلى مدينة أين»، 1985؛ «الحياة قرب الأكروبول، 1988؛ «الأول والتالي»، 1992؛ «حامل الفانوس في ليل الذئاب»، 1996؛ «إذا كنت نائماً في مركب نوح»، 1998؛ «عظمة أخرى لكلب القبيلة»، 2008؛ فضلاً عن ترجمات مختلفة، شعرية ونثرية.
سركون بولص