وأخيراً وُلد الاتفاق النووي الإيراني بعد مخاض عسير ومفاوضات امتدت لأكثر من إثني عشر عاماً، لكنه جاء متأخراً جداً، وأن يصل متأخراً خير من أن لا يصل أبداً، «والسمكة تظل طازجة متى ما إصطدتها « يقول مثل فارسي. لقد أبرم الاتفاق النووي بين إيران والقوى الست الكبرى على قاعدة كلنا رابحون، وهي المعادلة التي رسمها الرئيس الإيراني حسن روحاني منذ اللحظة الأولى التي انطلقت فيها المفاوضات بين بلاده والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين زائد ألمانيا حول برنامج بلاده النووي، وهذه المعادلة كانت الأساس في اتفاق توصلت له هذه الدول نيابة عن المجتمع الدولي، في صفقة شاملة تضم منطقة الخليج التي لا تملك أي هامش لعرقلته، وليكون منصة اتفاقات وتفاهمات أخرى بين طهران وبقية العالم. وإذْ اتفق الجانبان إيران ودول 5+1 منذ البداية على فصل الملفات وصبوا كل اهتمامهم على الملف النووي ، فقد فتح الاتفاق النووي في نهاية المطاف أفقاً جديداً في علاقات إيران الدولية تبدأ من الاقليم لترسم معالم علاقة مستقبلية بين إيران والغرب والولايات المتحدة تحديداً خارج دائرة الغرق في تفاصيل يكمُن فيها الشيطان، وهي في الغالب ترجمات رديئة للغة الصمت الإيرانية، وكأن روحاني كان يريد أن يقول للغرب في معادلة (كلنا رابحون): «نحن جاهزون لنكون كما كنا من قبل: دولة حليفة للغرب ولا تقوّض السلام وتشارك في صنعه»!..
صحيح أن لغة «الثورة» لا تزال تسيطر على الكثير من مرافق نظام الجمهورية الإسلامية خصوصاً في معسكر غلاة المحافظين، وبعضهم ارتدى السواد حزناً حتى قبل إعلان الاتفاق النووي من رؤية تقول إنه مثل إدارة ظهر للمبادئ والاصول التي أرساها الإمام الخميني الراحل، لكن الصحيح أيضاً هو أن «الخامنئية» ليست «الخمينية»، وهي نهج ولاية فَقِيه مختلفٌ عن الإمام الخميني الراحل الذي ما كان ليقمع الشعب ويزج به في السجون لمجرد أن خرج إلى الشارع في مظاهرات سلمية رفعت شعار «أين صوتي؟!» بعد تزوير الانتخابات الرئاسية لعام الفين وتسعة والتي أفضت بسبب تدخل خامنئي وتأييده صحة تلك الانتخابات (قبل أن يبت بها مجلس صيانة الدستور)، إلى تجديد رئاسة محمود أحمدي نجاد بكل إخفاقاتها خاصة وأن معظم العقوبات الدولية على خلفية البرنامج النووي صدرت في عهده.
دعم مُطلق من خامنئي
الرئيس روحاني الذي فاز في انتخابات 2013 رغم إرادة غلاة المحافظين وقادة الحرس الثوري الذين ساهموا في نتائج إنتخابات 2009 وما سمي بفتنة الاصلاحيين، أعلنها صريحة وواضحة في نيويورك أثناء مشاركته الجلسة العمومية لمنظمة الأمم المتحدة بُعيد انتخابه في صيف 2013 أنه مستعد (آنذاك) للتوقيع على اتفاق حول البرنامج النووي، بتفويض مُطلق من المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. روحاني لم يتحدث بتلك الثقة إلا لأنه كان بالفعل حصل على تفويض مُطلق من الولي الفقيه الذي يملك وحده كلمة الفصل في القضايا الخلافية.
من المعلوم أن المفاوضات النووية وتفاصيلها والجناح الذي يخوضها، على رأس القضايا التي يختلف بشأنها الإيرانيون، ولذلك فان أول ما فعله روحاني قبل أن يُطلق إشارة البدء في التفاوض مع الغرب، كان الجلوس وجهاً لوجه مع خامنئي، الذي أكد له تأييده لَهُ ( والتشديد على سلمية البرنامج النووي والتوصل لاتفاق وفق شروط معاهدة الإنتشار النووي)، إلا أن خامنئي اشترط عليه التوصل إلى اتفاق «يضمن حقوق إيران النووية» وعدم تقديم تنازلات «تهز كبرياءنا الوطني»!..
خامنئي كان تصدى في انتخابات 2013 لمحاولات تزويرها ليتفادى تكرار «فتنة» جديدة يتحمل هو وزرها، وسمح بفوز روحاني الذي وعد بحل الأزمة النووية كمقدمة لايجاد تنمية سياسية في الداخل، تهمش المتطرفين، عرف من أين تؤكل الكتف، وحول «تهديد» فوز روحاني ومن خلفه الاصلاحيون الذين يقبع معظم قادتهم في السجن والإقامة الجبرية، إلى فرصة لإنهاء أزمة الداخل الاقتصادية الخانقة، ومنح روحاني بطاقة النووي المفتوحة.
في الواقع، كان الرئيس روحاني متردداً من نجاح مفاوضاته وفريقه مع الغرب إذا لم يحصل على كل المعلومات عن البرنامج النووي الإيراني منطلقاً من تجربته السابقة عندما كان أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي، حين قاد بنفسه تلك المفاوضات مع الترويكا الأوروبية آنذاك (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) وهو مُكبّل اليدين.
روحاني يدرك أيضا أن الحرس الثوري ورغم حاجته للعملات الصعبة ليتمكن من الإستمرار في تنفيذ خططه السرية والعلنية في مناطق الصراع ومناطق تحتاجها إيران لتعزيز نفوذها، فانه لا يبدو مُرتاحا للتفاوض مع «الشيطان الأكبر»، وربما يُخفي (أي الحرس الثوري وهو الممسك بالنووي من الألف إلى الياء ) عنه معلومات بشأن تفاصيل البرنامج النووي، تجعل موقفه حرجاً في المفاوضات التي تركز هذه المرة تحديداً على عنصر الثقة، والنوايا الحسنة، ما دامت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكل أجهزة الإستخبارات، قد عجزت أن تثبت – حتى الآن على الأقل- أن البرنامج النووي الإيراني خرج عن طابعه السلمي!.
بدايات النجاح
نجاح روحاني في أن يُمسك هو وفريقه في الحكومة (وبشكل خاص وزارة الخارجية) بالملف النووي، ويتخلص بذلك من «الاثنينية» وازدواجية الموقف الإيراني، أقنع الطرف الآخر، بأن إيران جدية في التوصل إلى اتفاق يُنهي الجدل حول البرنامج النووي، في عهد الرئيس المعتدل. واقتنع الغرب أن إيران تفاوض هذه المرة، ولا تلعب بعامل الوقت كما كانت تفعل في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، عندما كان الملف النووي بيد الحرس الثوري، وكانت المفاوضات تُدار من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي، في ازدواجية مكّنت طهران آنذاك من التلاعب بعامل الوقت لصالحها، وإطالة أمد المفاوضات لتنجح في تخصيب اليورانيوم بنسبة 20٪ بعدما كانت تخصبه بنسبة لا تتجاوز الـ 5٪ في أثناء رئاسة الإصلاحي محمد خاتمي.
هنا، صار لزاماً على واشنطن وهي الطرف الأقوى في المفاوضات الجديدة أن تدرك من جهتها (ومعها حلفاؤها الأوروبيون) عمق التغيير الحاصل في إيران بعد انتخاب روحاني (في آب/أغسطس 2013)، بعد انضمامها لها لتكبر الدائرة إلى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا بعد ما كانت بين الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) وإيران، وإذن …فان الجميع فاوض هذه المرّة، ولا يوجد أي مبرر لعرقلة التوصل إلى اتفاق، أو إلى تمديدها، وقد قال جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي بوضوح يوم 15 اذار/مارس الماضي (قبل وصوله إلى لوزان غرب سويسرا وفيها تم إعلان تفاهم الإطار الذي مهد للاتفاق الأخير في فيينا): «لو كان برنامج إيران النووي سلميا فعلاً فلننجز الأمر». وجاءت تصريحات كيري تلك في مقابلة أجراها معه برنامج «واجِه الأمة» في شبكة «سي بي إس» الأمريكية خلال تواجده في منتجع شرم الشيخ في مصر، الذي أطلق منه تصريحه الشهير حول «ضرورة التحدث إلى الرئيس السوري بشار الأسد»، حليف طهران الاستراتيجي من أجل إنهاء الحرب التي تتورط فيها إيران بقوة في سوريا، حيث بدا وكأنه يُؤشر إلى مرحلة جديدة من العلاقات مع إيران في إطار صفقة كبرى لا تنتهي بسوريا ولن تتوقف عند حدود ما يجري على الأرض في العراق (حيث يتنامى النفوذ الإيراني ويمتد، بتنسيق مباشر مع واشنطن وغالبا ما يحدث عبر الحكومة العراقية).
شرطي الخليج!.
ما يسجل للإيرانيين في المفاوضات الأخيرة أنهم في عهد روحاني، خاضوها بعيداً عن الدين والايديولوجيا وصخب شعارات «الموت لأمريكا وإسرائيل»، وما يسجل للغربيين خصوصاً أمريكا أنهم عرفوا المزاج الإيراني وفهموا «ذرائعية» الإيراني المتمثّلة في شعار روحاني «كلنا رابحون» فلم يكترثوا للشعارات وحتى لتصريحات خامنئي التي تبدو في الكثير من الأحيان وكأنها تدمر المفاوضات وتقوضها.
وبدا واضحاً أن خامنئي ربما كان يقدم للأمريكيين نصيحة كي يعتمد أوباما (وأي إدارة تأتي بعده) على دور إيران فيما يتعلق باستقرار الخليج، وأنه يعرف كيف يستخدم أوراقه خصوصاً وأن بعض التسريبات أشارت إلى ما اعتبرته «إخفاق وزارة الخارجية الإيرانية في عهد أحمدي نجاد في حل الأزمة البحرينية».
من الملفت أيضا أن إيران صرحت مؤخراً بأنها ستلجأ إلى استراتيجية التدخل السريع في الأزمات الإقليمية في المناطق الساخنة، وهو ما يعني أن طهران لا ترفض التعاون المباشر مع الغرب وخصوصا أمريكا، ربما لتصبح مُجدداً كما كانت في زمن الشاه السابق شرطيّ الخليج، وَإِنْ تدثرت اليوم بعباءة الولي الفقيه! وذلك في ضوء ما نُقل عن تكليف خامنئي لقاسم سليماني قائد فيلق القدس بخصوص الأوضاع في البحرين، وإخراج ملف الأزمة السورية (السياسي) من فيلق القدس إلى المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يرأسه روحاني ويتولى مهامه التنفيذية أمينه العام الأميرال العربي الأهوازي علي شمخاني، في إشارة إلى خريطة إقليمية جديدة قد تظهر إلى الوجود السياسي بعد الاتفاق النووي الإيراني.
نجاح محمد علي