عبد العلي حامي الدينمن أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الحالية تحدي النهوض بأوضاع حقوق الإنسان والحريات العامة في البلاد..الصورة في المغرب ليست واضحة، فمن جهة هناك إرادة سياسية واضحة معبر عنها من خلال المصادقة على العديد من الاتفاقيات الدولية الهامة من قبيل البروتوكول الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والبروتوكول الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة..ومن جهة أخرى هناك استمرار بعض الانتهاكات التي تتعارض مع منظومة حقوق الإنسان.قيمة البروتوكول الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب تكمن في تأسيسه لنظام الزيارات المنتظمة من طرف هيئات دولية ووطنية مستقلة للأماكن التي يحرم فيها الأشخاص من حريتهم، والحكومة المغربية مطالبة في غضون سنة واحدة على الأكثر ابتداء من تاريخ المصادقة على البروتوكول، بإنشاء آلية وقائية وطنية مستقلة واحدة أو أكثر لمنع التعذيب على المستوى المحلي، وتتكفل الدولة بضمان الاستقلال الوظيفي لهذه الآليات الوقائية الوطنية وتتخذ التدابير الضرورية لكي تتوفر لخبراء الآلية الوقائية الوطنية القدرات اللازمة والدراية المهنية مع التعهد بتوفير الموارد اللازمة لأداء الآليات الوقائية الوطنية مهامها…بجانب هذه الإرادة السياسية المعبر عنها بوضوح هناك بعض المؤشرات المقلقة التي تبرز من حين لآخر.. فهناك استمرار استخدام القوة ضد تظاهرات سلمية وتسجيل التدخل العنيف الذي تتعرض له بعض الوقفات السلمية مع تعنيف بعض الناشطين الحقوقيين كما حصل بتاريخ 18 نوفمبر 2012 أمام البرلمان، وهو ما يتطلب من الحكومة أن تصدر تعليماتها إلى السلطات الأمنية بضرورة احترام الحق في التظاهر السلمي واحترام عمل ونشاط المدافعين عن حقوق الإنسان الذين توصي المواثيق الأممية بحمايتهم وفقا لـ’ الإعلان العالمي لحمــاية المـدافعيــن عـن حــقوق الإنسان’ الذي أقرته الأمم المتحدة في 9 ديسمبر 1998، وكذا المواثيق الدولية ذات الصلة. إن التدخل بواسطة القوة العمومية لمنع وقفة احتجاجية سلمية يعتبر مسا خطيرا بالحق في التعبير، واعتداء منهجيا على الآراء المخالفة للتوجهات الرسمية، وهو ما يتعارض مع الدستور ومع القوانين الجاري بها العمل، كما يتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال احترام الحقوق والحريات الأساسية ومنها الحق في التعبير وفي التظاهر.لا بد أن يتحمل رئيس الحكومة مسؤوليته الكاملة ويصدر تعليماته ليقوم وزير العدل والحريات بفتح بحث معمق لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية اللازمة ضد كل من ثبت انتهاكه للقانون في هذه الواقعة..كما تسجل المنظمات الحقوقية العديد من الشكايات التي تفيد بتعرض بعض معتقلي ما يسمى بالسلفية الجهادية داخل بعض السجون للتعذيب وللمعاملة القاسية، حيث تمت مداهمة أحد السجون وأخضع المعتقلون للضرب العنيف والعبث بممتلكاتهم بحجة التفتيش، مما أدى إلى تسجيل جروح في حق بعضهم.. وهو ما يتطلب فتح بحث قضائي للوقوف عند الأسباب الحقيقية لهذه التوترات وتحديد المسؤوليات بناء على ذلك، و انتهاج سياسة حكيمة في تدبير الشأن السجني وحماية السجناء من التعذيب وكل المعاملات القاسية والماسة بالكرامة، وضمان كل حقوقهم التي كفلتها لهم القوانين الوطنية والمواثيق الدولية. الأوضاع داخل السجون بشكل عام تحتاج إلى وقفة خاصة، فرغم أن المغرب يعتبر من الدول المصادقة على القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء وعلى اتفاقية مناهضة التعذيب، كما عرف القانون المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجينة الصادر الأمر بتنفيذه في 15 اغسطس 1999 تقدما ملموسا على مستوى النص بالمقارنة مع ما كان عليه الوضع من قبل وجاء ملائما لأغلبية القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الأول لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين وللمبادئ الأخرى ذات الصلة، ورغم أن قانون المسطرة الجنائية جاء بالعديد من الإصلاحات من أجل تعزيز مراقبة حقوق المعتقلين والسجناء، فقد بقيت أحوال السجون والوضعية العامة للسجناء على المستوى العملي بعيدة عن احترام المعايير الدولية ذات الصلة بوضعية السجناء.حيث استمر الاكتظاظ الشديد وضعف التغذية ونقص النظافة وتدهور الأوضاع الصحية وسيادة مجموعة من الانحرافات الخطيرة كرواج المخدرات والشذوذ، لكن الأخطر من ذلك كله هو استمرار المعاملات القاسية المهينة والحاطة من كرامة السجين، الشيء الذي يجعل المغرب بعيدا عن الوفاء بالتزاماته الدولية.النهوض بتطوير واقع حقوق الإنسان في المغرب يمر أيضا عبر تصفية ملف ما تبقى من معتقلين على خلفية قانون مكافحة الإرهاب، وخاصة منهم معتقلي ما يعرف بـ’السلفية الجهادية’ فقد خلفت أحداث16 مايو الإرهابية لسنة 2003 بالدار البيضاء مئات المعتقلين الذين انعدمت في أغلبهم شروط المحاكمة العادلة ، خصوصا في ظل مناخ دولي مطبوع بالاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب آنذاك بسبب أحداث 11 سبتمبر 2001.. ولذلك فإننا ما فتئنا ننبه إلى ضرورة اعتماد مقاربة تصالحية شاملة تفرج عن جميع المعتقلين الأبرياء على خلفية مكافحة الإرهاب، دون أن تفرط في حماية أمن البلاد واستقرارها، والحكومة الحالية هي الأقدر على تفهم هذا الملف واستيعاب تفاصيله الدقيقة.القيمة الأساسية للمقاربة التصالحية تكمن في إغلاق هذا الملف بصفة نهائية، وذلك بالإفراج عن كل من ثبت عدم تورطه في أعمال عنف أو من قام بمراجعة أفكاره داخل السجن، أما من يتشبت بخيار العنف في مواجهة الدولة ومؤسساتها فليس هناك سبيل للحديث عنه، اللهم ما كان من تعزيز سبل الحوار معه ودفعه لتغيير أفكاره بلغة الإقناع ومقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل..المقاربة التصالحية تعني أيضا توفير سبل الإدماج الاجتماعي للمعتقلين المفرج عنه، وتخفيف الأعباء اليومية عن أسر المعتقلين الذي يعاني معظمهم من الفقر والحاجة..المقاربة التصالحية تستند أيضا على الحوار الفكري وخوض نقاشات مع المعنيين وفسح الفرصة أمامهم لإبداء رأيهم وتوضيح أفكارهم..نحن لا نستبعد أن العديد من المحاكمات التي اختل فيها ميزان العدالة ربما تكون قد أسهمت في إذكاء الإحساس بالظلم لدى العشرات من السجناء الذين يطلق عليهم تعبير ‘السلفية الجهادية ‘ . ورغم أن أقلية قليلة جدا صرحت باختيار العنف فإنه يخشى أن يؤدي غياب الحوار وتغليب المقاربة الأمنية في تدبير السجون وتضخم المعاناة الاجتماعية للمعتقلين وأسرهم إلى انعكاسات مباشرة على طرق التفكير وبناء المواقف وإلى نمو عقليات متطرفة متشبعة بروح الانتقام أكثر من اقتناعها بالعنف كخيار فكري. المطلوب اليوم العمل بين جميع الأطراف من أجل بلورة رؤية متبصرة لتدبير ملف ما يسمى بـ’السلفية الجهادية’ والعمل على خلق وعي مشترك لدى المنظمات الحقوقية والجهات الرسمية ولدى المعتقلين أنفسهم بضرورة إيجاد حل لتسوية هذه المشكلة والعمل على تعميق الاقتناع بأهمية الحوار لفهم أفكار الآخر ومناقشته على أرضية نبذ العنف، والعمل على تحويل بعض الأفكار التي تؤسس للإحباط والشعور بالظلم وتقود بالتالي إلى ممارسة العنف، إلى أفكار إيجابية تؤسس لقيم الاندماج في المجتمع والتعايش مع الأفكار المخالفة. المطلوب اليوم، التحسيس بأهمية المقاربة الاستباقية لنزع فتيل التوتر المتوقع بين تيارات سلفية وبين مؤسسات الدولة، ومن هنا أهمية الحوار الفكري الذي يساهم في ترسيخ قيم النسبية في الاجتهادات النظرية ويعزز منهج المراجعات المستمرة للمواقف الجاهزة.’ كاتب من المغرب