الفلسطينيون والإسرائيليون والتعايش في اللاحل

حجم الخط
0

دخل الفلسطينيون والإسرائيليون مرحلة اللاحل، بعد أن تخلوا عن أوهام الحل العسكري وأوهام الحل السياسي، وارتضوا التعايش مع اللاحل، أملاً من كل منهما بأن يستطيع في زمن اللاحل وعبر المناورة والمداورة صقل ما يمكنه من حل أو نتف حل لتمريره وفرضه على الآخر، أو ريثما يضطران للعمل معاً لتدوير حل يتفق عليه بوصفه أفضل الممكن لكل منهما عندما يصبح ذلك الممكن ضرورة مفروضة لاستمرار التعايش وإلا كانت الحرب الموحشة، أو حرب الوجود وعدمه.
امتنع الإسرائيليون عن تقديم أي مبادرة للحل مع الفلسطينيين منذ عام 1948 وحتى اليوم، وحين قبلوا بالتفاوض مع غير الفلسطينيين بشأن حل لقضيتهم مثل مفاوضات لوزان عام 1949 برعاية الأمم المتحدة، والحكم الذاتي مع مصر بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد عام 1978، كان الهدف في الأولى الانضمام إلى الأمم المتحدة، وفي الثانية الفوز بتوقيع مصر على معاهدة سلام، وليس الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية.
وحين فشلت إسرائيل في القضاء على الانتفاضة الفلسطينية الأولى على امتداد سنوات، وبعد أن جربت كل وسائل القوة، اضطرت للموافقة على مؤتمر مدريد ومشاركة وفد فلسطيني، واضطررت من ثم للتفاوض سراً مع وفد فلسطيني في أوسلو، بعدما أبدى الفلسطينيون وعبر أكثر من مبادرة استعداداً كاملاً لنبذ العنف والقبول بالقرار 242 والاعتراف بإسرائيل وإنهاء الانتفاضة، الأمر الذي هيأ للتوصل إلى اتفاق أوسلو في خريف 1993 والذي اعتبره الفلسطينيون اتفاقاً على حل مرحلي يمهد لاتفاق سلام دائم بعد خمس سنوات، بينما اعتبره الإسرائيليون فخاً ومتاهة يتم من خلالها إنهاك الفلسطيني وإضعافه وتجريده من أسلحته وإخماد طموحه ومشروعه الوطني، تحت سقف أوسلو الذي يسعى الفلسطيني إلى رفعه، بينما يعمل الإسرائيلي على خفضه، وعلى أرض أوسلو (الضفة والقطاع) التي يعمل الفلسطيني على جعلها قاعدة للدولة والعودة، ويعمل الإسرائيلي في المقابل على جعلهاً مرتعاً لمستوطنيه وغيتو للفلسطيني يفور بكل أنواع الأزمات، خصوصاً المتفجر منها بسبب استمرار خفض السقف واستمرار انضغاط الأزمات بدون حل.
جرب الفلسطينيون في صراعهم مع إسرائيل كل ما اعتقدوه أو تصوروه سبيلاً إلى حسم الصراع عسكرياً أو حله سياسياً ،لاسترداد حقوقهم كاملة أو منقوصة بعض الشيء. وجرب الإسرائيليون في صراعهم مع الفلسطينيين في المقابل كل ما ظنوه سبيلاً لإخراج الفلسطينيين من كل فلسطين، أو أغلبها ومنعهم من المطالبة والسعي إلى نيل أي حق من حقوقهم الوطنية، وكانت النتيجة فشلاً لهؤلاء وأولئك.
لم يستطع الفلسطينيون تحقيق ما يصبون إليه حرباً أو سلماً، ولم يستطع الإسرائيليون تحقيق ما أرادوه بالقوة والاخضاع، أو بممارسة كل أشكال المناورة والخداع. وفرض عليهما فشلهما في اللجوء إلى القوة لتحقيق ما أراداه من مقاربات حلول، بدأت منذ عقود قليلة بدون أن تنتج الحل المأمول لأي منهما. ويمكن القول إنهما وعبر هذه المقاربات اختبرا نظرياً، وعملياً أيضاً، كل الحلول لكنهما لم يفلحا في الاتفاق على أي منها، الأمر الذي أبقاهما في دائرة اللاحل بوصفه الممكن والاضطراري، طالما لم يقدر أي منهما على حسم الصراع عسكرياً أو سياسياً لمصلحته، وفرض عليهما بالتالي التعايش في معمعة أو مستنقع اللاحل.
قادة إسرائيل هم الذين فرضوا اللاحل، سواء بعد حرب 1948 أو بعد حرب 1967، أو بعد الانتفاضة وهم الذين حولوا اتفاق أوسلو إلى فخ ومتاهة للفلسطينيين لا مخرج منها ولا حل ولا قدرة توظف في انتاج انتفاضة جديدة لكسر جدران المتاهة، أو نسف حدودها لفرض الحل المراد فلسطينياً كله أو بعضه.
وبقدر ما يجد الفلسطينيون أنفسهم الآن أسرى اللاحل بعد كل الذي قدموه عشية اتفاق أوسلو ومن خلاله، ومع مرور عقدين على توقيعه، يجد الإسرائيليون أنفسهم أيضاً أسرى اللاحل، بسبب فشل كل الحلول التي لجأوا إليها وراهنوا عليها للخلاص من أثقال وأعباء القضية والحقوق الفلسطينية، وأعباء الفلسطينيين الذين يعيشون على أرض فلسطين، سواء بين ظهرانيهم في المثلث والجليل والنقب أو تحت احتلالهم في الضفة الغربية أو في مرمى نيرانهم وحصارهم واحتلالهم عن بعد كما في قطاع غزة.
وقادهما العجر عن الاتفاق على حل إلى التسلي على ضفاف حلول، كل على ضفة الحل الذي يستهويه، وإلى التلهي بانتاج نتف حلول يصعب جمعها معاً لانتاج حل مرض لكليهما.
والحاصل الآن هو شيء من التفاهم الضمني، أو ربما المتفق عليه سراً على الاستمرار في اللاحل، في انتظار ظروف قد تساعد على فتح الطريق نحو الحل. وهكذا تفاهم بقدر ما يفرض إخماد حدة الصراع بإبعاده المختلفة، يفرض أيضاً نوعاً من التعايش والتساكن، خصوصاً بعدما أدركا أنهما يتصارعان ويتعايشان على الجغرافيا نفسها وضمن حدودها، وأن أعدادهما متساوية تقريباً من حيث الديموغرافيا، لكنهما لا يتساويان من حيث مساحة الأرض التي يتواجد عليها كل منهما، وربما يدركان الآن أو لاحقاً أن التداخل الديموغرافي الحاصل والجغرافيا المحدودة التي تعج بساكنيها هنا وهناك لم تعد تتيح التمترس خلف خطوط اقتتال أو في جبهات حرب، بدون إلحاق أذى كبير بالساكنين، فهل يمكن للجغرافيا المحدودة والديموغرافيا غير المحدودة أن تكونا مانعتين للعودة إلى العنف والحرب، وأن تفرضا عبر التعايش الراهن العودة تدريجياً إلى الحل التاريخي وتحديداً العودة إلى ما كان مستهدفاً سابقاً، أي حل الدولة الواحدة بعد فشلهما في التوصل إلى حل الدولتين.

٭ كاتب فلسطيني

عمر كيلاني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية